ولا نعرف في القرآن الكريم من مشتقات كلمة (فرق) ما يحتمل تأويله بأنه يتضمن الانفصال المادي أو الجسدي إلا في آية سورة المائدة من قوله سبحانه وتعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} ، فقد يتراءى احتمال – وإن كان بعيدًا – بأن موسى ربما كان من قصده أن يبعد الله عنه وعن أخيه أولئك القوم الفاسقين ليأمنا من أن يصيبهما ما قد ينزله عليهم من بلاء عقابًا لهم على فسقهم ذاك، لكن يبعد هذا الاحتمال – حتى ليكاد يكون تمحلا – أن موسى عليه السلام يعلم أنه وأخاه مرسلان إلى أولئك الذين سأل الله أن يفرق بينهم وبينهما، وأن عليهما الاستمرار في أداء الرسالة التي يضطلعان بمسئوليتها وتبعتها، فلا يتصور أن يطلب الابتعاد له ولأخيه عمن أرسل إليهم، وغاية ما سأله التمييز بينهما وبينهم إذا كان مقدرًا أن يُنْزِل عليهم بلاءً عقابًا لهم على فسقهم ذاك.
وآية أخرى قد يتوهم البعض أن فيها معنى الانفصال المادي وهي آية سورة النساء في المعلقة التي تعذر الصلح بينها وبين زوجها من قوله تعالى:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} ، وهذا الوهم يبطله أن المطلقة لها أن تمكث في بيت زوجها حتى تستوفي عدتها، وأن التفرق هنا معنوي يقصد بها انفصال العصمة الواشجة بين الزوجين بالطلاق.
ولا سبيل إلى الوهم بأن التفرق في الدين وما شاكله مما جاء في الآيات الكريمة الأخرى يمكن أن يتضمن الانفصال المادِّي.
وبهذا يتضح أن صيغة (يتفرقا) في حديث الخيار هي الصيغة الأرجح أن تكون رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باللفظ وليس بالمعنى إذ لم نجد في القرآن الكريم التعبير بصيغة (افترق) وما تصرف منها، وقد سبق أن ألمعنا إلى أننا لا نتصور أن يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث تشريعي عن الصيغة القرآنية إلا لعلة موجبة لذلك، ولا نجد هذه العلة في حديث الخيار.