والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه وتارة من عموم علته، والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر، وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها من عمومها وهضمها تارة وتحميلها فوق ما أريد بها تارة، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ.
ثم قال [٣/١١٩، ١٢٠] :
ومما يوضح ما ذكرناه – من أن المقصود في العقود معتبرة دون الألفاظ المجردة التي لم تقصد بها معانيها وحقائقها أو قصد غيرها – أن صيغ العقود (بعت) و (اشتريت) و (تزوجت) و (أجرت) إما إخبارات وإما إنشاءات وإما أنها متضمنة للأمرين، فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدل على العقود وإنشاءات لحصول العقود في الخارج، فلفظها موجب لمعناها في الخارج، وهي إخبار عما في النفس من تلك المعاني ولا بد في صحتها من مطابقة خبرها لمخبرها.
ثم قال: وقد تقدم أن صيغ العقود إخبارات لما في النفس من المعاني التي هي أصل العقود ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلامًا معتبرًا، فإنها لا تصير كلامًا معتبرًا إلا إذا قورنت بمعانيها فتصير إنشاء للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها وجد، وإخبارات من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس، فهي تشبه في اللفظ (أحببت) أو (أبغضت) و (كرهت) ، وتشبه في المعنى (قم) و (اقعد) ، وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها – حقيقةً أو حكمًا – ما جعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها، وهذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة وإلا ما تم عقد ولا تصرف، فإذا قال (بعت) أو (تزوجت) كان هذا اللفظ دليلا على أنه قصد معناه المقصود به وجعله الشارع بمنزلة القاصد إن كان هازلا، وباللفظ والمعنى جميعًا يتم الحكم فكل منها جزء السبب، وهما مجموعة وإن كانت العبرة في الحقيقة بالمعنى واللفظ دليل، ولهذا يصار إلى غيره عند تعذره، وهذا شأن عامة أنواع الكلام فإنه محمول على معناه المحمول منه عند الإطلاق لا سيما الأحكام الشرعية التي علَّق الشارع بها أحكامها، فإنَّ المتكلم عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها، والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني، فإذا لم يقصد المتكلم بها معانيها بل تكلم بها غير قاصد لمعانيها أو قاصدًا لغيرها أبطل الشَّارع عليه قصده، فإن كان هازلا أو لاعبًا لم يقصد المعنى ألزمه الشارع المعني كمن هزل بالكفر والطلاق والنكاح والرجعة، بل لو تكلم الكافر بكلمة الإسلام هازلًا ألزم به وجرت عليه أحكامه ظاهرًا، وإن تكلم بها مخادعًا ماكرًا محتالا مظهرًا خلاف ما أبطن لم يعطه الشارع مقصوده.