للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقد اتفق العلماء على أن من قتل وأخذ المال وجب إقامة الحد عليه ولا يسقط العقاب بعفو ولي المقتول والمأخوذ منه المال خلافًا للقتل العادي (١) ثم اختلفوا في عقوبة قطع الطريق هل هذه العقوبات على التخيير أم هي مرتبة على قدر جناية المحارب فالحنفية والشافعية والحنابلة أن الحد على الترتيب وعلى قدر الجناية فإن أخاف الطريق دون أخذ للمال ولا قتل، فالحكم النفي والتعزيز، وإن أخذ المال فقط فقطع اليد والرجل من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ المال فالقتل، وإن قتل وأخذ المال فالقتل والصلب، أما مالك فيرى أن الإمام مخير بين هذه العقوبات حسب ما يقتضيه الردع والمصلحة وسبب الخلاف يرجع إلى (أو) هل هي للتخيير أو هي للترتيب، وكل الوجوه فليس هناك من قال بهدم منزله وسلب أمواله وأكل بقره ونحو ذلك مما جرى به العرف في بعض القبائل المغربية، قال مؤلف الكتاب: ومازال سكان المغرب في الجنوب يستعملون النصاف يطبقونه على كل من ارتكب مخالفة أو خالف عهدًا وخاصة في مناطق بني ملال وغيرها من القبائل المجاورة قال الشيخ أحمد بابا: أما ما يتعلق بالإنصاف فهو ظلم وحرام وليس من أحكام الشرع بل هو ظلم وعدوان وطغيان ونعي على الذين يزعمون أن ذلك لرعي المصلحة مصرحًا بأن ذلك كذب وبهتان وإثم وخسران، وأن من اعتقد حلية ذلك ربما أفضى به إلى المروق من الدين ووصف تحليفهم المتهم خمسين يمينًا بأنه من تغيير الشرع، إذ ليس في الشرع تحليف بغير يمين واحدة إلا القسامة بخمسين وفي اللعان بأربعة مع التخميس باللعنة والغضب ورفض أن يكون في تركهم ذلك سبب للفوضى وعدم الأمن والاستقرار ووصفه بأنه كلام الجهال والغارقين في اتباع الهوى، وأوضح أن انتظام الكلمة واستقامة الأحوال إنما يكون باتباع الشرع في الأقوال والأفعال، ثم بين الدكتور عمر بن عبد الكريم الجبيدي أن الحق هذه الأعراف إن كانت من المسائل الضرورية لفقد تقرر لدى الفقهاء أن للضرورة أحكامًا فاتفاقهم على جماعة تعمل بضوابط تحقق المصلحة للناس تمنعهم من المحاربين والمتلصصين واسترداد ما أخذوه، فهذا لا يخالف الدين في شيء، وأما ما كان غير ذلك كمؤاخذة غير الجاني وتحليفه خمسين يمينًا يؤديها هو وأقاربه فهذا من قبيل المروق من الدين (٢) ، قلت وهو حق لأن الله يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة فاطر: الآية ١٨] ، ولأن كل نفس بما كسبت رهينة ثم ما تقتضيه الضرورة يشهد له في الشرع الرخص الواقعة في الشريعة فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في جلب المصالح ودرء المفاسد على الخصوص وهذا من باب الاستحسان الذي قال فيه الإمام هو تسعة أعشار العلم والذي قد نشأ من أصل عظيم متين العرى وهو النظر في مآلات الأفعال الذي هو مجال للمجتهد صعب المورد وإن كان عذب المذاق محمود الغب يدل عليه أن التكاليف الشرعية شرعت لمصالح العباد، وهي إما أخروية فترجع إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم، وإما دنيوية، والأعمال عند التأمل مقدمات لنتائج المصالح لأنها أسباب لمسببات مقصودة للشارع والمسببات هي مآلات الأسباب فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب وهو لنظر في مآلات الأفعال الذي افتر عنه قاعدة الاستحسان وسد الذرائع وغيرها ومعلوم أن مقاصد الشريعة في الخلق التي يرجع تكاليفها إلى حفظها التي هي الضرورية والحاجية والتحسينية ومعناها الأخذ بمحاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسة التي تأنفها الأحكام الراجحة والتي يجمعها قسم مكارم الأخلاق ولاعتناء الشارع بهذه الثلاث جعل لها متممات ومكملات هي مثار التشديدات والترخيصات وما ذلك إلا لترد الأمة المصالح وتتجافى حمى المفاسد، وهذا هو السر الذي يرنو إليه التشريع فإن القصد منه إقامة مصالح الدين والدنيا على وجه لا يختل لها به نظام ولذا كان وضع الشريعة على ذلك الوجه أبديًّا وكليًّا وعامًّا وزادت عناية الله بهذه الشريعة الغراء فعصمها عن التغيير والتبديل كما أنبأ بذلك تصريحًا وتلويحًا فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: الآية ٩] ، وقال: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ} .


(١) بداية المجتهد: ٢ /١٥٥، وحاشية الدسوقى: ٤ /٣٥٠، المهذب: ٢ /٢٨٤، المغني لابن قدامة: ٨ /٢٩٠
(٢) العرف والعمل في المذهب المالكي، لعمر بن عبد الكريم الجبيدي: ص ٢٥٣ - ٢٩٥

<<  <  ج: ص:  >  >>