الفريق الثاني: العملاء المعارضون من نفس القبائل التي كان يطبق فيها هذا العرف وهذا الفريق يندِّد بأصحابها والقائمين عليها، ومن هؤلاء عبد الله الهشتوكي، فهو يصفها بالضلال المبين وعبد الرحمن التمنارتي، فقد قال في شأنها إنها من باب التحكم إلى الطاغوت الذي أمرنا الله أن نكفر به، والشيخ محمد بن ناصر الدرعي الذي لما سئل عنها أجاب في حق أصحابها بأنهم عصاة ومنهم الشيخ عبد الرحمن الجزولي فقد علق على قولة عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، قال: هذا يستدل به أشياخ السوء من القبائل فيما أحدثوا أن من سل سيفه فضرب به لزمه كذا، ومن وضع يده على سيفه ولم يسله يلزمه كذا ومن لطم يلزمه كذا ومن شتم يلزمه كذا وعدد مجموعة، ثم قال: وكل ذلك بدعة أماتوا بها السنة ثم نقل أن الموقف هو الذي وقفه محمد بن عمر حيث ذهب إلى أن الضوابط التي اتفقت عليها الشيوخ والضمان ضلال مبين معللا بأن أحكام الشرع هي التي أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم وإن ترك الأحكام الشرعية واستنباط ضوابط وقوانين جديدة كفر صراح، وهذا هو نفس الرأي الذي ذهب إليه قاضي سوس عيسى بن عبد الرحمن، الذي قال في شأن الألواح: أنها ألواح شيطانية، وإنهم بذلك ينبذون الكتاب والسنة، ويحكمون بغير ما أنزل الله متحاكمين إلى الطاغوت.
الفريق الثالث: من توسط من العلماء في هذه الأعراف فقبلوا منها ما كان موافقًا للشرع ومقاصده ورفضوا ما كان مخالفًا معاكسًا، ونقل أن ممن أخذ هذا الموقف الشيخ عبد الواحد بن أحمد مفتي مراكش في زمنه ومحمد بن عمر والشيخ أحمد بابا التنكتي الذي أجاب عن سؤال يتعلق بهذه الأعراف خلاصته أن أهل الجبال والبادية يجتمعون عن آخرهم ويكونون منهم أهل الحل والعقد يسمونهم (انفلاس) ويتفقون على أن كل من قطع طريقًا ببلدهم يستردون منه ما سلب ويغرمونه إياها ويعاقبونه على فعلته بعقوبة مالية ويهدمون منزله ويذبحون بقره ويأكلونها ردعًا له، فإن لم يكن بيده شيء أخذوا قيمة ذلك من أقاربه وتأديتها ويعتبرون أن ذلك هو الإنصاف وأنهم لو تركوه لانعدم انتظام أمورهم وانعدام استقرارهم، وقد أجاب بما خلاصته أن الموضع الذي لا سلطان فيه أن اجتمعت جماعة المسلمين فيه على إقامة أحكام الله على وجه ما شرعه الله فإن حكمهم يقوم مقام حكم القاضي والسلطان، حيث لا سلطان ولاقاضي وأما فعلهم الضوابط والأحكام على مقتضى المصالح، فإن كانت جارية على وجه الشرع فليس بجعل بل إنفاد لأحكام الشرع، وإن كانت على خلافه فأمر حرام لا يجوز قطعًا، وأما استردادهم من قاطع الطريق ما أخذ من الموال فإن كانوا ليردوها إلى أصحابها فأمر حسن وإن كان ليأكلها فقبيح، وأما عقوبتهم للجاني بهدم داره وإتلاف ماله فالواجب على الجاني إن قطع الطريق أن يحارب فحكمه إنفاذ حكم المحارب فيه ولا تهدم داره ولا تتلف أمواله لأنها عقوبة بالمال وهي غير جائزة في المذهب والله سبحانه وتعالى يقول:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}(١)