للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما مع وجود النص فلا عبرة بالعرف كما قدمنها وإلا لزم نسخ الشريعة بالعادة، ولا قائل بذلك فالمرجع حينئذٍ إنما هو لقواعد الشرع، وقد أوجب الفقهاء على متولي الإفتاء والقضاء في المسائل الجاري بها العرف أن ينظر فيها، فإن كانت مما تكلم فيها الفقهاء قبله بما يخالف العرف الجاري فيها في زمانه نظر في مستند الفقهاء في كلامهم، فإن كان مستندهم دليلًا من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس حكم فيها وأفتى بما قرره الفقهاء قبله وألغى العرف؛ لأنه لا يعتد به عند مصادرة الدليل الشرعي، وإن كان معتمدهم في ذلك ما جرى به العرف عندهم قد تغيرت الأحوال وتبدلت العادات حكم بما عليه عرف ذلك البلد كما قدمنا ولا يعتبر ذلك من تبديل الأحكام ونسخها وإنما هو من ترتيب الحكم على العلة وجودًا وعدمًا والأعراف المعتبر هي التي توزن بميزان الشرع فما وافق فهو معتبر يؤخذ به كلما تحققت به المصلحة، أما ما كان مخالفًا للشرع فلا يعتبر ولا يؤخذ به بحال، هذا هو الرأي الذي تطمئن له النفوس وتقبله الشريعة.

أما ما ذهب إليه بعض علماء المغرب من الأخذ بما جرت عليه أعراف الناس بإطلاق كأعراف القبائل البربرية المغربية في عقود الأنكحة والمغالات في الأيمان وتشريك أقارب المتهم في تأدية القسم وأخذ الولي صداق البنت لنفسه ونحو ذلك، وقد اختلفت أنظار علماء المغرب في الأخذ بهذه الأعراف وافترقوا فرقًا ثلاثة، فمنهم: من حمل على هذه الأعراف واعتبرها مروقًا وخروجًا عن الدين يجب محاربتها والقضاء عليها ومنهم: من سايرها ورأى فيها تحقيق مصلحة القوم التي لا تتحق إلا بالأخذ بها فيحبذها وآثر العمل بها ودافع عنها، والفريق الثالث: وقف موقفًا وسطًا فأخذ بما يواق الشرع ولا ينقاصه، ورد وأنكر وحارب ما كان مخالفًا للشرع ومبادئه ومقاصده، وقد ذكر الدكتور عمر الجيدي في كتابه العرف والعمل في المذهب المالكي فبين أن المؤيدين لهذه الأعراف والأحكام والتنظيمات بالنسبة لأعراف سوس منهم الشيخ الحسن بن عثمان الجزولي، وابن غازي، وعمروبن أحمد بن زكرياء العقيلي، وقد أصدر هذا الأخير منشورًا يعد نموذجًا للأعراف التي في سوس ومثله الشيخ أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن عمرو بن طلحة التمنارتي، وعبد الله بن مبارك اللقاوي، ونقل عن أبي الحسن علي بن أحمد العمري في كتاب فتاوى الحاكم أن أول من أحدث الخلاف هذان العالمان السابقان وهما اللذان أمرا يكتبها في ألواح القبائل من هلالة وهشتوكة، وتابعهما أهل عصرهما وتلقوا ذلك بالقبول، وكذلك الفقيه عبد الله بن الحاج شعيب الهلالي له بحث في مسائل هذه الأنواع، ومثله الشيخ محمد البوعقيلي الهلالي، وهو الواضع للوح حصن زاوية سيدي يعقوب، وإن له كتابًا في الأعراف وكذلك أبو عيسى السكتاني الرجراجي صاحب النوازل، ومحمد بن سليمان الجزولي السملالي، ثم بيَّن أن مما أيدها من المحدثين المختار السنوسي الذي ذكر أن أهل سوسن أسسوا قواعد وحتموا اعتبارها وقوانين أيدوا بها أعمالها وإقرارها ورتبوا جنايات الأموال ومنها مثلًا، من تعرض لأحد ذهب لأسواقهم، أو مواسمهم أو حصونهم، أو تعرض لفقيه أو عالم أو طالب علم، ولو بسبب أو شتم، أو تعرض ليهودي في ملاحة أو في طريقه أو سرق، أو جنى جروحًا، أو سفك دمًا أو غير ذلك، وشددوا في ذلك وعينوا النفائس (أي أعضاء الجمعية في كل قبيلة) ، تجتمع في مدرستها عند وقوع تلك النوائب، وعلى هذا النمط بنيت أحوال السوس الأقصى كله من أوله إلى آخر، ثم نقل عن الأستاذ العثماني في كتابه ألواح جزولة قوله نظرة خاطفة على النظام القضائي العرفي في بعض القبائل البربرية توحي لنا، وكأننا أمام نظام قار لا يختلف في كثير من الأشياء عما ورد في الشرع يسايرها ولا ينقاضها بل يسير في اتجاهها ومقاصدها مع مراعاة ضروريات الحياة وتطورها، والسياسة الشرعية مبنية على المصالح المرسلة في المسائل التي تنبع فيها أعراف البلاد وعاداتهم وتقاليدهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>