وبما نقلنا نرى كيف أن الفقهاء اعتبروا سائر القرائن العرفية وجعلوها من المرجحات الأولية التي يعتمدها القضاء مع اليمين في بعضها ومع عدمها في بعضها حسب القوة الشبهة وضعفها بين المتخاصمين وبحسب اعتبار العرف هل يقوم مقام الشاهد أو مقام الشاهدين ولقد قال الإمام ابن العربي: على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فيما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها.
شرط من يتولى القضاء بين الناس:
لقد نص الفقهاء على أن من شرط القاضي بل هو الشرط الأساسي العلم فلا يجوز تولية الجاهل بالأحكام الشرعية لأن القاضي بالشرع للأحكام بمقضتى الشرع موافقته ومن شأن من يكون كذلك أن يكون عالمًا لا جاهلًا حتى يدرك أسرار القضاء ولذلك اشترطوا فيه أن يكون جامعًا بين الفقه والحديث بل ذهب ابن الحاجب إلى اشتراط أن يكون مجتهدًا بحيث لا تجوز ولا تصح ولاية المقلد ولا تنفذ أحكامه (١) مع وجود المجتهد قال ابن الحاجب: فإن لم يوجد مجتهد فمقلد، وإذا كان بعض الفقهاء أجازوا ولاية المقلد فقد اشترطوا أن يختار من أعلم المقلدين، قال ابن عبد السلام: وينبغي أن يختار أعلم المقلدين وقد اعتبر القاضي ابن العربي، والقاضي عياض والإمام المازري العلم من الشروط الواجبة (٢) .
ونقل ابن عبد البر أن الأئمة اشترطوا أن يكون القاضي عالمًا بالسنة والآثار وأحكام القرآن ووجوه الفقه واختلاف العلماء (٣) وقد رد ابن رحال على ابن رشد فيما ذهب إليه من أن شرط العلم مستحب لا واجب بأن هذا قول شاذ بعيد عن الصواب إذ القاضي هو أحوج الناس إلى العلم (٤) ولقد اشترط العلماء للأخذ بالعرف أن يكون عرفًا صحيحًا لا فاسدًا فإذا كان القاضي غير عالم بالأحكام الشرعية فكيف يستطيع أن يميز بين الصحيح والفاسد، ولذا كان العرف من حيث صلاحه للعمل به أو طرحه وفساده من مهمة الفقيه العالم بالأحكام المتمرس عليها، أما من جهلها فلا اعتداد بأحكامه ولا عبرة بعرفه لأن اتباع العادات والأعراف من غير دليل شرعي هو فساد في الدين وابتعاد عن شريعة رب العالمين إذ كثير من الأعراف ما كان مبنيا على الهوى، وإذا لم يكن القاضي من العلماء الأعلام القادرين على تمحيص الأعراف المقبولة من الأعراف المردودة كان غير صالح للقضاء على أن العرف يلجأ إليه عند عدم النص الصريح أو الضمني في القضية.
(١) شرح ميارة للتحفة: ١ /١٠ (٢) شرح ميارة للتحفة: ١ /١٠ (٣) الكافي، لابن عبد البر. (٤) حاشية ابن رحال: ١/ ٢، على هامش شرح ميارة، للتحفة