أما الحالة الثانية، فإن الفقهاء يعتمدونها دليلا أوليًّا يترجح بها قول المدعي مع يمينه إلى أن يثبت خلافها، وقد اتفق مالك وأبو حنيفة على اعتبار القرائن وخالف الشافعي في ذلك ظنًا منه أن في هذا مناقضة ومخالفة للحديث المشهور ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) (١)
ولقد أوضح محمد علي حسين أن لا مخالفة بين العمل بالقرائن وبين ما جاء في حديث ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) ذلك أن القاعدة أن المدعي من خلا قوله عن أصل أو عرف وأن المدعى عليه من عضده أصل أو عرف، فالمدعي الدين على غيره على خلاف الأصل، إذ الأصل براءة الذمة فالمطلوب من المنكر هو على وفق الأصل. والمدعى رد الوديعة وقد قبضها ببينه هو المدعي، لأن قوله على خلاف الظاهر والعرف بسبب أن الغالب أن من قبض ببينه أن لا يرد إلا بينه، والمدعي عدم القبض هو على وفق الظاهر والعرف يشهد له وهذه القاعدة تقتضي أن المرأة إذا ادعت قناعًا وشبهه مما هو يختص بالنساء كان قولها على وفق الظاهر، وقول الزوج على خلافه فكان مدعيًا وهي مدعيًا عليها، وقد نقلنا عن الطريقة المرضية للشيخ الوالد أن معرفة المدعي من المدعى عليه هو مناط التوتر ومحور النظر ومحل الاهتمام إذ بتمييز أحدهما عن الآخر يتنكب عن الخطأ في تكليف أحدهما بغير ما عينه الشرع له، وعليه فمخالفة الشافعي في الاعتماد على القرائن ودعوى أنها تعاكس ما ورد في الحديث من أن ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) لا يقوم حجة، بل وهي المعينة لمعرفة المدعي من المدعى عليه، كما ذكره الوالد رحمه الله في الطريقة المرضية وعلى أساس الاعتماد على القرائن العرفية، قرر الفقهاء حلولًا كثيرة في شتى الحوادث في اختلاف الزوجين في حال العصمة وبعد الفراق أو الموت وإجراء الحكم حسب القرائن والعادات وما يقتضيه العرف من اختصاص ذلك بالرجال أو النساء، أما ما كان مشتركًا يصلح لهما معًا كالدار يسكناها والماشية يتصرفان فيها، فيترجح قول الزوج لأنه صاحب اليد وهي قرينة على اعتبار الملك، فقال مالك: إذا اختلفا وهما زوجان أو عند الطلاق قضي للمرأة بما هو شأن النساء وللرجل بما هو شأن الرجل وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن البيت بيته في العادة، فهو تحت يده فقدم لأجل اليد كما في التبصرة وكذا لو اختلف المتبايعان في قبض السلعة أو الثمن فالأصل بقاء الثمن بيد المبتاع وبقاء المبيع بيد البائع ولا ينتقل ذلك إلا ببينة أو عرف كالسلع التي جرت العادة أن المشتري يدفع ثمنها قبل أن يبين بها كاللحم والخضر ونحوها فيحكم في ذلك بالعرف والعادة ولو اختلف عطار ودباغ في العطر والجلد أو اختلف فقيه وحداد في نحو الجبة والكير كانت لهما عليه يد حكمية، أو تنازع رجل وامرأة رمحًا يتجاذبانه فالقول في هذا كله قول من شهد له العرف والعادة وقرائن الأحوال فالجبة للفقيه والكير للحداد والرمح للرجل وكل هذا مع اليمين (٢) .
(١) أخرجه البخاري في الرهن والترمذي وابن ماجه في الأحكام. (٢) تبصرة الحكام: ٢ / ٦٦