للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد قال بمثل هذا الاستحسان كثير من العلماء حتى من ورد عنهم القول بإنكار الاستحسان، ولقد ذكر الشوكاني عن بعض الأصوليين أنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، فقالوا: إن كانت العادة هي الثابتة في عصر النبوة، فقد ثبت بالسنة وإن كانت هي الثابتة في عصر الصحابة من غير إنكار فقد ثبت بالإجماع (١) ، وعلى هذا فهو حكم، قال على العادة والعرف.

كذلك الاستصحاب يعتمد في بعض أحكامه على العرف ومعناه استدامة ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًّا أي: بقاء ما كان نفيًا وإثباتًا حتى يقوم الدليل على تغيير حالته (٢) وهو اعتقاد كون الشيء في الماضي أو الحاضر يوجب ظن ثبوته في الحال أو الاستقبال كما هو عند القرافي (٣) باعتبار ما كان عليه الأمر أو الحكم فيما مضى مستمرا إلى حال المتكلم يستمر العمل ما لم يصادم نصًا أو يقم دليل على عم اعتباره، والاستصحاب حجة عند المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية والظاهرية عند عدم الدليل، وقال به أيضًا الحنفية إذا كان للدفع لا للرفع ويعبرون عنه باستصحاب الحال سواء كان عرفًا أو وصفًا مثبتًا للحكم مثل استصحاب اليقين في الطهارة (٤) .

ومن هنا بنوا قاعدة أن اليقين لا يزول بالشك وما ثبت باليقين لا يزول إلا باليقين والأصل بقاء ما كان على ما كان مما تفرع عن ذلك من الفروع الفقهية في الطهارات والعبادات والطلاق إلى غيرها من المسائل (٥) .

وكذلك المصالح المرسلة وهي التي لم يشهد لها من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين وترجع إلى حفظ مقصود الشارع مما علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع والمصلحة هي ما به قوام الحياة من المنافع ودفع المضار، وهي تؤخذ بالقياس عند الشافعي وبالقياس والاستحسان عند أبي حنيفة، أما مالك رحمه الله فيرى أن المصلحة أصل بذاتها وأن أحكام الشرع ما جاءت إلا لتحقيق مصلحة أو درء مفسدة، ولكنها قد تعرف بالنص الخاص، وقد تطلب من النص العام أي أن مرجعها إلى مجموعة من النصوص كما هو في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار)) وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ومما تفرع عنها ضرب المتهم ليقر بالمسروق وزواج امرأة المفقود بعد أربعين سنة من انقطاع خبره لترجيح مصلحة الزوجة واعتداد المرأة المطلقة التي يمتد طهرها بثلاثة أشهر فوق مدة الحمل لئلا تتضرر بطول العدة (٦) ومعلوم أن من أعظم ما يعين جهة النفع والضر العرف، فإن كانت جهة الضرر غالبة كانت مفسدة بالمعنى العرفي وإن كانت جهة النفع غالبة كانت مصلحة بالمعنى العرفي (٧) ، والمصلحة المرسلة التي تبنى على اختلاف أوضاع الناس وأعرافهم وتقاليدهم وعاداتهم هي المصلحة المرسلة المبنية على العرف.


(١) إرشاد الفحول، للشوكاني: ص ٢٤١
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم: ١ /٢٦٤
(٣) تنقيح الفصول، للقرافي: ص ١٩٩
(٤) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني: ص ١٣٧
(٥) انظر الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ص ٥٧ – ٦٣.
(٦) الموافقات للشاطبي: ٢ /١٦ وما بعدها، تفسير المنار: ٧ / ١٩٤
(٧) المدخل الفقهي، للأستاذ الزرقاء: ١ /٩٥، ط ٩

<<  <  ج: ص:  >  >>