وقد ظهر بما نقلنا أن العرف أصل ومصدر في الشريعة أصل لأن منه يأخذ الفقيه الحكم ويبنيه عليه فيكون أصلًا بهذا الاعتبار، وهو مصدر لأنه منه يأخذ الفقيه الحكم ويبينه عليه فيكون أصلا بهذا الاعتبار وهو مصدر لأنه منه يأخذ وهو بالنسبة للأصولي دليل لنه يرشده إلى الحكام نعم هو دليل ظني لا يرقى إلى الأدلة القطعية المأخوذة من الكتاب والسنة إذا كانت قضية الثبوت قطعية الدلالة فهو أقل منهما رتبة بهذا الاعتبار، هذه منزلة العرف بين الأدلة.
وكما أنبنى على العرف مجموعة من القواعد الفقهية، انبنى عليه أيضًا قواعد أصولية كالاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة، فإن بعض أنواع الاستحسان، كاستحسان الضرورة مبني على العرف، إذ القياس مثلًا يقتضي منع بين المعدوم وينبني عليه منع بين السلم والاستصناع ونحوها ولكنها جازت استحسانًا وهو مبني على العرف (١) ، ولذلك قالت الحنفية في تعريف الاستحسان: دليل ينقدح في عقل المجتهد يقتضي ترجيح قياس خفي على قياس جلي أي مقتضى الإباحة في مقابلة ما يقتضيه القياس من المنع والحظر ولذلك اعتبره الحنفية دليلا شرعيًّا، وقالوا: نأخذ بالاستحسان ما استقام، يعنون أن الاستحسان قياسي خفيت علته بالنسبة إلى قياس ظاهر متبادر (٢)
والعلة كثيرًا ما تكون تعامل الناس وعرفهم في هذا التعامل وحاجتهم إليه، ومثل الحنفية المالكية في الاستحسان، إذ هو إيثار مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخيص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته وقد عرفه الشاطبي في موافقاته، فقال: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي يقتضي النفع، قال ابن العربي في ترك الدليل العام: أسباب ترك الدليل أربعة: يترك الدليل للمصلحة، ويترك للتيسير ورفع الحرج، ويترك للإجماع، ويترك للعرف (٣) . وهذا الأخير هو الاستحسان المبني على العرف ومن هنا جاء مثلًا تضمين الصناع في الأعيان بصنعتهم مع أن الأصل أن لا ضمان على مؤتمن ومن هنا أيضًا جاء عدم اعتبار الربا في القليل اليسير التافه كما هو كمبين في كتب الفقه ومما يؤثر عن الإمام مالك عن هذا الاستحسان أنه تسعة أعشار العلم (٤) .
(١) انظر بدائع الصنائع، للكساني: ١ /١١٣ (٢) أصول الفقه للخضري: ٣٦٧. (٣) الاعتصام، للشاطبي: ٢ /٣٢٠ (٤) الموافقات، للشاطبي: ٤ /١١٨