للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كما ذكر الشافعية في كثير من الأحكام تعليل مشروعيتها بجريان العادة والعرف بين الناس، مثل اعتبار الحب في غالب قوت البلد ودخول الحمام من غير تعيين مدة المكث ومقدار الأجرة بجريان العرف والتسامح في مثل هذا (١) .

وقد نقل الشيخ أو زهرة نصوصًا كثيرة من المذهب المالكي موضحا أنها كانت شهادة باعتبار العرف أصلًا من أصول الاستنباط وأنه كثيرًا ما يتفق مع المصلحة وإن المصلحة أصل بلا نزاع في مذهب مالك على أن العرف يقتضي تأليف النفوس لما يكون من أحكام تكون على مقتضاه ومخالفته تؤدي إلى الحرج والمشقة وهما مرفوعان في الشريعة كقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} .

والله من رحمته بعباده إنما يشرع ما يستسيغه الناس ويألفونه لا ما يكرهونه ويبغضونه إذ الشريعة ليست بنكاية كما قدمنا. ولأن العرف إذا لم يكن على رذيلة وهو العرف المحترم الصحيح يكون احترامه مقويًّا للوحدة دافعًا لاجتماع كلمة الأمة رابطًا بين الناس وإن مخالفته هدم لهذه المآثر وبناء على ما نقلنا ندرك أن مرتبة العرف تأتي مباشرة بعد مرتبة الكتاب والسنة حيث إنه يرجع إلى المصلحة وحيث هو راجع إلى المصلحة كان في مرتبتها إذ ليس بعد كتاب الله وسنة رسوله إلا المصلحة، ولا شك أن الإجماع لم يراع فيه المجتهدون إلا المصلحة ومهما تحققت المصلحة سار الناس إليها ومهما استعصى الأمر على المجتهد وعدم النص من الكتاب والسنة ولاح له عرف صحيح إلا خذ به واعتمد عليه، لأن العمل به كفيل بتحقيق المصلحة، بوساطته يدرك المنفعة أو المفسدة فيقرر ما تقتضيه من مصلحة ويرفض ما فيه مفسدة، ولقد اعتبره العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور مصدرًا فطريًّا حيث يقول: ونحن إذا وجدنا النظر في المقصد العام من التشريع نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرفها واختلالها ولعل ما أفضى إلى خرق عظيم فيها يعد في الشرع محظورًا ممنوعًا وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجبًا وما كان دون ذلك في الأمرين فهو منهي أو مطلوب في الجملة وما لا يمسها مباح، ثم إذا تعارضت مقتضيات الفطرة، ولم يمكن الجمع بينهما في العمل يصار إلى ترجيح أولاها وأبقاها على استقامة الفطرة، فلذلك كان قتل النفس أعظم بالإنسان بعد الشرك، وكان الترهيب منهيًّا عنه، وكان خصاء البشر من أعظم الجنايات، ولم يجز الانتفاع بالإنسان انتفاعًا يفيت عينه أو يعطلها كالتمثيل بالعبد بخلاف الانتفاع بالحيوان، وكان إتلاف الحيوان بغير أكله ممنوعًا ومن هنا تعلم أن القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة لأن شرط العادة التي يقضي بها أن لا تنافي الأحكام الشرعية فهي تدخل تحت حكم الإباحة وقد علمت أنها من الفطرة إما لأنها لا تنافيها وحينئذٍ فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس، وإما لأن الفطرة تناسبها وهو ظاهر (٢) .


(١) المحلى: ٤ / ٧١
(٢) مقاصد الشريعة الإسلامية، للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: ص ٥٨، ٦٠، ط دار النشر

<<  <  ج: ص:  >  >>