للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعن عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور، فالأحكام المعللة بعلة ظنية والأحكام الاجتهادية المأخوذة من الأدلة الظنية والمبنية على مصالح العباد في المعاش والمعاد والتي بنيت على العرف، فإنها تتغير بتغير العلة والمصلحة والعرف وذلك هو العدل والرحمة والمصلحة وكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى النكاية وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة في شيء، لأن الشريعة كما يقول ابن القيم: عدل الله بين عباده ورحمته بخلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وهي نوره الذي أبصر به المبصرون (١) .

وإن كثيرًا من أعمال الناس وألفاظهم ومعاملاتهم وشؤون حياتهم تقوم على ما اعتادوه وتعارفوه، ذلك أن القواعد الشرعية المعتمدة على النصوص لا تستوعب جميع التفصيلات ولا المسائل المتجددة، وهي وإن كانت تتخذ أساسًا في نصها أو روحها للاجتهاد وبيان الأحكام، فإن العرف يساعد كثيرا في هذا الاجتهاد ويعين المجتهد على تفهم الواقع وتطبيق الحكم الشرعي عليها سواء أكان ذلك في معاني الكلمات وعبارات الناس أو في معاملاتهم وعقودهم حتى أصبح العرف الصحيح ذريعة إلى تبدل الأحكام وتغيرها باختلاف أعراف الناس في بيئتهم المختلفة وأماكنهم المتغايرة وهذا هو سبب تغير اجتهادات الإمام الشافعي في كثير من المسائل بين حكمه عليها حين كان في بلاد العراق وحكمه عليها حين انتقل إلى مصر حيث رأى تغير أعراف الناس وعاداتهم يعدل في اجتهاداته حتى صارت تعرف بالمذهب الجديد واجتهاداته بالعراق بالمذهب القديم وجميع الأئمة اعتبروا العرف الصحيح في الأحكام الشرعية ومالك كما قدمنا وأتباعه أقاموا للعرف وزنًا كبيرا وأخذوا به في كل ما لا نص فيه قطعي وتركوا القياس إذا خالف العرف، وقد قال القرطبي في باب الاستحسان: إن من ضروب الاستحسان ترك القياس لأجل العرف وجعلوه يخصص العام ويقيد المطلق، وقد صرح الزيلعي: أن العرف من أقوى الحجج في مشروعية المضاربة (٢)


(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم الجوزية ٣ / ٣
(٢) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: ٦ /٢٩، ط الأميرية.

<<  <  ج: ص:  >  >>