للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأصحاب هذه المذاهب وإن ألفوا وقعدوا القواعد لكن مذهب الإمام مالك أغزر من بقية المذاهب في تقعيد القواعد والأصول كما أشرنا إليه وإذا كان بعض أهل العلم قد حصر قواعد المذهب في ست عشرة قاعدة أو سبع عشرة، كما نقل ذلك الفقيه ابن راشد عن شيخه أبي محمد صالح أن مالكًا بني مذهبه على ستة عشر والسابع عشر اختلفوا فيه وهو مراعاة الخلاف (١) ، لكن المحققين من علماء المالكية قالوا إن ذلك لا يمكن ضبطه وحصره، ولقد ذكر الشيخ أبو زهرة في كتابة مالك، قال: وقد اختبره (أى مذهبه) العلماء في عصور مختلفة فاتسع لمشاكلهم واختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر فكان مسعفًا لهم في كل ما يحتاجون إليه من علاج لكثرة مجتهديه وكثرة أصوله ونوع الأصول التي أكثر منها وأنه أكثر المذاهب أصولًا (٢) هذه هي أصول المالكية والأدلة التي جعلوها مصادر لبناء الأحكام ولسائل أن يسأل عن منزلة العرف من بين الأدلة.

منزلة العرف بين الأدلة:

إن فقهاء الشريعة على اختلاف مذاهبهم متفقون على اعتبار العرف بصفة عامة دليلًا من الأدلة التي انبنت عليه كثير من الأحكام الفقهية إذا أعوزهم النص من الكتاب والسنة.

وبنوا على ذلك مجموعة من القواعد: (١) كقاعدة الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٢) وقاعدة العادة محكمة (٣) وقاعدة العادة كالشرع (٤) وقاعدة الممتنع عادة كالممتنع حقيقة (٥) وقاعدة الحقيقة تترك بدلالة العرف والعادة (٦) والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (٧) وقاعدة استعمال الناس حجة يجب العمل بها (٨) وقاعدة العبرة للغالب الشائع لا للنادر (٩) وقاعدة العرف بين التجار كالمشروط بينهم (١٠) وقاعدة إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت (١١) وقاعدة الثابت بالعرف ثابت بالدليل الشرعي (١٢) وقاعدة لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان.

والمقصود بتغير الزمان تغير العادات والأحوال من زمن إلى زمان أو من مكان إلى مكان واستناد التغيير للزمان وللمكان مجاز لأن الزمن لا يتغير، وإنما الناس هم الذين يطرأ عليهم التغيير في أفكارهم وصفاتهم وعاداتهم وسلوكهم، مما يؤدى إلى وجود عرف عام أو خاص ويترتب عليه تبدل الأحكام المبنية على الأعراف والعادات من كل الأحكام الاجتهادية المستنبطة بالقياس أو المصلحة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية، أما الأحكام الأساسية التي مصدرها النصوص من الأوامر والنواهي فلا تتبدل ولا تتغير فوجوب الصلاة والزكاة والجهاد وأداء الأمانة والصدق والإخلاص والقول والعمل وإباحة البيع والشراء والميراث وأنصبائه ونحوها كحرمة الزنا وشرب الخمر وأكل الميتة وشهادة الزور والفرار من المعركة فهذه كلها أحكام مستقرة لا يؤثر فيها تغيير الزمان ولا المكان ولا الأشخاص، أما ما كان منشأ بنائه على العادات أو على صحة أو فساد الأخلاق، فهذا هو الذي يختلف فيه أنظار الأئمة والمجتهدين من زمن إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن شخص إلى شخص، وقد قال مالك: تحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا ذلك الأمر (٣) .


(١) منهج التحقيق والتوضيح لحل غوامض التنقيح: ١ /١٧٧
(٢) مالك لأبي زهرة: ص ٣٧٦ ط ٢.
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ ٤ /٢٠٤

<<  <  ج: ص:  >  >>