وأما أبو حنيفة، فإنه قال بتقديم القياس والاعتبار على السنن والآثار بترك نصوص الأصول وتمسك بالمعقول وآثر الرأي والقياس والاستحسان، ثم قدم الاستحسان على القياس بأبعد ما شاء وحد بعضهم استحسانه أنه الميل إلى القول بغير حجة، وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحديث والبدعة حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع في الدين ولهذا خالفه صاحباه محمد وأبو يوسف في نحو ثلث مذهبه إذ وجدوا السنن تخالفهم فيما تركه لما ذكرناه من قصد لتغليبه القياس وتقديمه أو لم تبلغه ولم يعرفه إذ لم يكن من مثقفي علومه وبه شنع المشنعون عليه وتهافت الجراء على ذم البرآء بالطعن إليه، ثم ما تمسك به من السنن فغير مجمع عليه وأحاديث ضعيفة متروكة، وبسبب هذا تحزبت طائفة أهل الحديث على أهل الرأى وأساءوا فيهم القول والرأي.
وأما أحمد وداود فإنهما سلكا اتباع الآثار ونكبا عن طريق الاعتبار لكن داود خالف ذلك فترك القياس جملة واحدة هو وأصحابه من القول بالظاهر ما خالف فيه أئمة الأمة فخانه التمسك بربع أدلة الشريعة.
وجعل أحمد الخبر الضعيف خيرًا من القياس وبديهية العقل تنكر هذا فلا خير في بناء على غير أساس وهذا اعتبار في التفضيل نبيل يدل المنصف على السالك منهم نهج السبيل هذا مأخذ الجميع في فقههم ونظرهم على ما في فهمهم (١) .
وكان مالك رحمه الله يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضيين، هذه نتفة عما يتعلق بالأصول، أما ما يتعلق بالقواعد فقد قسمها المالكية إلى قسمين ما هي أصول لأمهات مسائل الخلاف وما هي أصول للمسائل، والقسم الأول هو مراد الإمام المقري في قواعده فقد ذكر أنه قصد إلى تمهيد ألف ومائتي قاعدة في الأصول القريبة لأمهات مسائل الخلاف وأضاف أنه يعني بالقاعدة كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة فهو لا يعني في قواعده القواعد الأصولية العامة ككون الكتاب والسنة والإجماع والقياس حجة أو كحجية المفهوم أو العموم وخبر الواحد أو ككون الأمر عند الإطلاق للوجوب والنهي للتحريم ولا قصد القواعد الفقهية الخاصة ككل ما لا يتغير لونه أو طعمه أو رائحته فهو طهور وكل حيتان البحر مباح في الأكل أو كل عبادة لا تصح إلا بنية، وإنما أراد ما توسط بين هذين مما هو أصل لأمهات المسائل فهو أخص من أصول العامة وأعم من الأحكام الجزئية الخاصة هذا هو غالب ما اشتمل عليه وإن كان قد تعرض لبعض قواعد أصولية وقواعد فقهية تكميلا للفائدة وما من مذهب من المذاهب إلا وله تأليف، وهذه القواعد كالأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي والأشباه والنظائر للسيوطي والقواعد لابن رجب الحنبلي، وكل مذهب من المذاهب له قواعد اختارها، واعتمد عليها في استنباط الأحكام، وقد حصر أبو عبد الله بن عمر الدبوسي السمرقندي الحنفي مذهب الحنفية في أربعة عشر قاعدة وأنهاها ابن نجيم إلى تسعة عشر قاعدة في الأشباه وجعل القاضي الحسين مبنى الفقه الشافعي على أربعة قواعد كما في فتح الباري (٢) ، وأنهاها ابن رجب الحنبلي في قواعده إلى مائة وستين قاعدة وأردفها بفصل اشتمل على عشرين قاعدة ألحقها بالقواعد فيها اختلاف في المذهب الحنبلي ينبني على الاختلاف فيها فوائد متعددة (٣) .
(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعركة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض: ١ / اليحصبي – وزارة الأوقاف بالمغرب (٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر: ٥ /٢٧٦ (٣) قواعد ابن رجب: ص ٣٦٨