للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما توثيق هذه الأدلة في المذهب المالكي من حيث الاعتبار والحجية، فقد أوضحه القاضي أبو الفضل عياض في كتابه المدارك فذكر ترتيبه على ما يوجبه العقل ويشهد له الشرع تقديم كتاب الله تعالى على ترتيب وضوح أدلته من نصوصه، ثم ظواهره ثم مفهوماته، ثم كذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها على ما تقدم في الكتاب، ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة وبعد ذلك عند عدم الأصول والقياس عليهما والاستنباط منهما إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك ما تواتر من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك النص المقطوع به بموجب تقديم ذلك كله، ثم الظواهر، ثم المفهوم منها لدخول الاحتمال في معناها، ثم أخبار الآحاد يجب العمل بها والرجوع إليها عند عدم الكتاب والتواتر، وهي مقدمة على القياس لإجماع الصحابة على الفصلين وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر ثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك، ثم القياس أخيرًا إذ إنما يلجأ إليه عند عدم هذه الأصول في النازلة فيستنبط من دليلها ويعتبر الأشباه منها على ما مضى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلم من مذهبهم أجمعين وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة وتقرير مآخذهم في الفقه والاجتهاد في الشرع وجدت مالكًا رحمه الله ناهجًا في هذه الأصول مناهجها مرتبًا لها مراتبها ومدارجها، مقدما كتاب الله ومرتبًا له على الآثار، ثم مقدمًا لما على القياس والاعتبار تاركًا منها لما لم يتحمله عنده الثقات العارفون بما تحموله أو ما وجد الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة قد علموا بغيره وخالفوه ولا يلتفت إلى من تأول عليه بظنه في هذا الوجه سوء التأويل وقوله ما لا يقوله، بل ربما يصرح أنه من الأباطيل، ثم كان من وضوعه عن المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوضات ما سلك به سبيل السلف الصالحين، وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سن الماضين.

ثم سلك الشافعي سبيله وبسط مآخذه في الفقه وأصوله لكن خالفه في أشياء أداه إليها اجتهاده وثاقب فطنته ولم يخلصه من دركها عدم استقلاله بعلم الحديث والأثر وتزحزحه عن الانتهاء في معرفته، ثم ما جرى بينه وبين بعض المالكية بمصر وحمل عليه حتى تميز عنهم بعد أن كان معدودًا منهم وواحدًا من جملتهم، فبان بأصحابه وتلاميذه وصرح من حينئذٍ بالخلاف والرد على أكبر أساتذته.

<<  <  ج: ص:  >  >>