القرائن جمع قرينة والمراد بها عند الفقهاء الإمارة الظاهرة تقارن الشيء الخفي، فتدل عليه، مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة وهي تتفاوت قوة وضعفًا، فقد ترتقي في القوة إلى درجة اليقين، وقد تضعف حتى تنزل دلالتها إلى درجة مجرد الاحتمال، ولقد عقد ابن فرحون في التبصرة بابًا في قضاء ما يظهر من قرائن الأحوال والأمارات، واستدل على اعتبارها من الكتاب والسنة وعمل السلف (١) فمن الكتاب قوله تعالى: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} دل على السيما، المراد بها حال يظهر على الشخص كمثل، إذا رأيناه ميتًا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء وكذا قوله تعالى {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} .
وقال عبد المنعم بن الفرس: روي أن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم يرَ فيه خرقًا ولا أثر ناب، فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئب حليمًا يأكل يوسف ولا يخرق قميصه قال القرطبي في تفسيره، قال علماؤنا لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة صدقهم، قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها وهي سلامة القميص من التمزيق إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لا بس القميص ويسلم القميص، وأجمعوا على أن يعقوب عليه الصلاة والسلام استدل على كذبهم بصحة القميص، فاستدل الفقهاء بهذه الآية على أعمال الأمارات في مسائل كثيرة من الفقه، وقال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [سورة يوسف: الآيات ٢٦ – ٢٩] .
قال ابن الفرس هذه الآية يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بالأمارات والعلامات فيما لا تحصره البينات (٢) .
(١) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، لابن فرحون: ٢ / ٩٥، ط حلبي سنة ١٣٠٢ هـ (٢) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام، لابن فرحون: ٢ / ٩٥، ط البهية مصر ١٣٠٢ هـ