للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منزلة العرف بين الأدلة:

لقد استخرج أصحاب مالك الأصول والقواعد التي بنى عليها مذهبه من فروعه الفقهية التي قررها ودونوا هذه الأصول، فقالوا: كان مالك يأخذ بظاهر القرآن وبظاهر السنة وبمفهوم المخالفة وبفحوى الخطاب وبمراعاة الخلاف وليست هذه أقوالًا له مأثورة عنه وإنما هي مستخرجة من الفروع فهي إذن مجهود العلماء الذين اتبعوا مذهبه فعملهم كعمل علماء الحديث بصحيح البخاري، إذ لم يبين الشروط التي اشترطها وإنما ذلك عمل من أتى بعده من المحدثين، وليس هذا إن هذه القواعد والأصول قد خفيت عنه أو لم يوجد في كلامه ما يفيدها، فقد يصرح بأخذه بعمل أهل المدينة وبين البواعث التي أدت به إلى الأخذ به، كما صرح بذلك في الموطأ وقد صرح أيضا بما لا مجال للشك فيه بأنه أخذ بالقياس حتى قال ابن العربي في القبس إن مالكا قصد في الموطأ تبين أصول الفقه وفروعه (ص ٧) وبين أيضا أن مالكا بنى موطأه على تمهيد الأصول للفروع ونبه فيه إلى معظم أصول الفقه التي ترجع إليها مسائله وفروعه، فالإمام لو لم يصرح بهذه القواعد بصريح العبادة، فقد كانت هذه بمثابة الأسس التي قامت عليها أقوال من أتى بعده وعليها استندوا في التخريج والاستنباط وقد اختلف المالكية في عد هذه الأصول التي بني عليها الفقه المالكي بعدها الشيخ محمد صالح الهسكوري صاحب التقييد على الرسالة أنها ستة عشر أصلًا وهي: نص الكتاب، وظاهره وهو العموم ودليله وهو مفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة، وتنبيه، وهو التنبيه على العلة، ومن السنة مثل ذلك، فهذه عشرة ثم الإجماع وعمل أهل المدينة وقول الصحابي والاستحسان وسد الذرائع، واختلف قوله في مراعاة الخلاف فمرة اعتبره ومرة ألغاه. قال أبو يحيى الغرناطي شارح التحفة وابن ناظمها في شأن مراعاة الخلاف ما نصه: مراعاة الخلاف لا يطردونه في جميع المواضع ثم مراعاة الخلاف إما أن تكون صحيحة وإما أن تكون غير صحيحة، فإن كانت صحيحة جارية على أصول الشريعة وجب اعتبارها على الإطلاق، وأما اعتبارها في بعض المسائل دون بعض، فذلك يفتقر إلى ضابط يعرف به الموضوع الذي يجب أو يجوز أن يراعى فيه الخلاف من الذي لا يراعى فيه، وقد أنهاها القرافي في تنقيح الفصول في الفصل الأول من الباب العشرين إلى تسعة عشر، قال: وذلك بالاستقراء وهي الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع أهل المدينة والقياس، وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والاستصحاب والبراءة الأصلية والعوائد والاستقراء وسد الذرائع والاستدلال والاستحسان والأخذ بالأخف والعصمة وإجماع أهل الكوفة وإجماع العترة وإجماع الخلفاء الأربعة (١)


(١) تنقيح الفصول بهامش حاشية منهج التحقيق والتوضيح لحل غوامض التنقيح: ٢ /٢٠٨

<<  <  ج: ص:  >  >>