أما مذهب مالك فالمعتبر في الأيمان التي لا يصدر فيها حكم قضائي على حالفها بموجبها النية، وكذلك النذور نية المستحلف في الدعاوى ونية الحالف في غيرها، فإن عدمت النية فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفظ وما قصد الناس من عرف أيمانهم، فإن عدم فدلالة اللغة، وقيل: لا يراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي، وقيل: يراعى النية وبسوط الحال أي السبب الحامل على اليمين أو المقام وقرينة السياق في اصطلاح علماء المعاني، ولا ينفع الاستثناء في النذر وينفع في المشيئة في الأيمان، أما الأيمان التي يقضي بها على صاحبها ففي مجال الاستفتاء تراعى الضوابط على ما سبق من الترتيب وفي مجال القضاء لا يراعى إلا اللفظ في اليمين إلا ما يؤيد ما ادعاه من النية قرينة الحال أو اعرف. قال الشاطبي: من مذهب مالك أن يترك الدليل للعرف ورد الأيمان إلى العرف مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف كقوله: والله لا دخلت مع فلان بيتًا فهو يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتا في اللغة والمسجد يسمى بيتًا فيحنث على ذلك إلا أن عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه فخرج بالعرف عن مقتضى اللفظ فلا يحنث (١) .
أما الحنابلة فمرجع الأيمان إلى نية الحالف، فإن نوى بيمينه ما احتمله اللفظ انصرفت يمينه إليه لا فرق بين أن يكون ما نواه لظاهر اللفظ أم مخالفًا له لقول النبي صلى الله عليه وسلم:((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٢) فإن لم ينوِ شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها وأثارها لدلالة ذلك على النية، فلو حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، فإن كان سبب يمينه غيظًا من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منه عليه بها اختصت يمينه بها، وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقضي جفاءها ولا أثر للدار فيه تعلق بإيوائه معها في كل دار.
(١) الشاطبي، الاعتصام: ٢ / ١٢١، ط مصطفى محمد – القاهرة. (٢) رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد رواه ثلاثون صحابيًّا، الأربعين النووية: ص ١٦، وشرح مسلم: ١٣/ ٥٣