وهذا هو شرط الحنث المطلق المترتب عليه حكمه، فلذا قالوا: إنه يحنث ولا يقال: إن الشراء بعشرة معناه الحقيقي عقد الشراء بعشرة وعقد بأحد عشر غير العقد بعشرة فلم يوجد الفعل المحلوف عليه لأنا نقول: إن الشراء بعشرة له معنى حقيقي وهو ما ذكرته ومعنى مجازي وهو التزام العشرة بإزاء الثوب المبيع والمراد المشتري وهو المعنى المجازي بقرينة حالية وهي أن الحامل له على اليمين من جهة المعنى هو التزام الثمن، وذلك الثمن هو العشرة التي سماها والعشرة تطلق على العشرة المنفردة، وهي هذا الحكم المنفصل الذي هو آخر مراتب الآحاد وأول مراتب العشرات وتطلق على المقرونة أي العشرة التي قرنت غيرها من الأعداء ولما كان الغرض من المشتري نقص الثمن عن العشرة وعدم التزامها بإزاء المبيع علم أن مراده مطلق العشرة أي الشاملة للمفردة والمقرونة، فإذا اشترى بالمنفردة فلا كلام في أنه قد وجد الفعل وفات الغرض فيحنث وكذا لو اشترى بالمقرونة لأن غايته أنه وجدت العشرة التي امتنع من التزامها في الثمن ووجد معها زيادة وهي الدرهم الحادي عشر مثلًا وإذا وجد شرط الحنث ووجد معه زيادة فتلك الزيادة لا تمنع الحنث كما لو حلف لا يدخل هذه الدار فدخلها ودخل دارًا أخرى فإنه يحنث وإن زاد على شرط الحنث مثال الوجه الثاني البيع بأحد عشر، فقد وجدت صورة الفعل المحلوف عليه وهو البيع بعشرة التي في ضمن الأحد عشر ووجد أيضا الغرض لأن غرض البائع الحالف الزيادة على العشرة، وقد وجدت فلا يحنث لأن شرط الحنث وجود الفعل مع فوت الغرض وهنا لم يفت الغرض، بل وجد على أن الفعل في الحقيقة لم يوجد أيضًا لأن مراد البائع في قوله لا بيعه بعشرة العشرة المفردة.
أما المقرونة بالزيادة، فإنه غير ممتنع عنها، بل هو طالب لها وهي غرضه فإذا باع بأحد عشر فقد وجد غرضه ولم يوجد الفعل المحلوف عليه حقيقة أي الذي أراد منع نفسه عنه، وإنما وجد صورة في ضمن الأحد عشر ولذا قيد الشرط بقوله: أما إذا وجد صورة الفعل وإلا فحقيقة الفعل لم توجد وكيف توجد حقيقة الفعل الذي هو شرط الحنث مع وجود الغرض الذي يحصل به البر وهما متناقضان، ومثال الوجه الثالث الشراء بتسعة في المسألة الثالثة من الأربعة المذكورة لأن المشتري الحالف مستنقص عن العشرة، فإذا اشترى بتسعة فقد وجد غرضه ولم يوجد الفعل المحلوف عليه أصلًا فيكون قد وجد شرط البر الكامل وفات شرط الحنث من كل وجه فلا حنث، مثال الوجه الرابع البيع بتسعة، فإذا حلف لا يبيع بعشر لم يوجد الفعل المحلوف عليه وهو العشرة ولا الغرض وهو الزيادة، بحيث فات الفعل لم يتحقق شرط الحنث الكامل وإن فات الغرض لأن فوت الغرض لا يوجب الحنث ما لم يوجد الفعل، لأن الحنث شرطه وجود الفعل المفوت للغرض كما مر بلا حنث (١) . هذا مذهب الحنفية، وقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية أي بحسب صيغة اللفظ لأن الحقيقة أحق بالإرادة والقصد إلا أن ينوي شيئًا فيعمل بنيته فلو حلف ألا يأكل رؤوسا فأكل رؤوس حيتان فمن راعى العرف، قال: لا يحنث ومن راعى دلالة اللغة، قال: يحنث وكذلك يحنث من حلف لا يأكل لحمًا فأكل شحمًا مراعاة لدلالة اللفظ وقال آخرون: لا يحنث، والمذهب الشافعي يتبع مقتضى اللغة عند ظهورها وشمولها ويتبع العرف إذا اشتهر واطرد.
(١) ابن عابدين رسالة رفع الانتفاض ودفع الاعتراض على قولهم: الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض، الرسائل: ١ /٢٩٢