للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد يكون العرف في زمان ثم ينعدم، ويزول فمثلًا ورد في المدونة أن القائل لا مرأته: أنت حرام، أو خلية، أو برية، أو وهبتك لأهلك، يلزمه الطلاق الثلاث في المدخول بها ولا تنفعه البينة في أنه أراد أقل من الثلاث، باعتبار الاستعمال في ذلك الزمان وأنها كنايات ظاهرة في الثلاث، فلا ينوي صاحبها ويقع الطلاق بناء على ما اشتهر من استعمال هذه الألفاظ في فك العصمة وإزالتها واشتهر كذلك في العدد الذي هو الثلاث، أما ما كان من الكنايات الخفية فإن الزوج ينوي في ذلك فمن قال لامرأته: هذه أختي ونوى أخته في الدين لم تحرم عليه بذلك ولا يعتبر مظاهرا لجريان اللفظ على لسانة اختيارًا، أما ما ظهر قصده بخلاف معناه اعتبر قصده، إذ الأمور بمقاصدها.

وهل الأيمان مبنية على العرف أو النية أو الصيغ اللفظية؟

تحرير هذا: أن الإيمان عند الحنفية مبنية على العرف والعادة لا على المقاصد والنيات لأن غرض الحالف هو المعهود المتعارف عنده ويتقيد بغرضه، هذا هو الغالب عندهم. وقد ثبت أن أيمان عندهم على الألفاظ لا الأغراض وقد ألف ابن عابدين رسالة أسماها رفع الانتقاض ودفع الاعتراض على قولهم الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض، ولقد بين فيها أن هذه القاعدة وقاعدة أن الأيمان مبنية على العرف، بين أن كلا من هاتين القاعدتين مقيدة بالأخرى فقولهم: الأيمان مبنية على العرف معناه العرف المستفاد من اللفظ لا الخارج عن اللفظ اللازم له وقولهم: الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض معناه الألفاظ العرفية، فإذا تعارض الوضع الأصلي للكلمة والوضع العرفي ترجح الوضع العرفي.

وقد أوضح تقييد كل من القاعدتين للأخرى، بأن ذلك ينتج صورًا أربعة لأنه إما أن يوجد حقيقة الفعل ويفوت الغرض، أو توجد صورة الفعل والغرض، أو يوجد الغرض فقط، ويفوت الفعل، أو لا يوجد شيء منهما والحنث إنما يتحقق في الوجه الأول فقط دون الثلاثة الباقية، مثال الأول الشراء بأحد عشر والمحلوف عليه بعشرة وغرض المشتري الحالف نقص الثمن عن الشعرة، فإذا اشترى بأحد عشر فقد اشترى بعشرة وزيادة ووجد الفعل المحلوف عليه وفات الغرض.

<<  <  ج: ص:  >  >>