وقد نقل الونشريسي، عن أبي الفضل قاسم العقباني وقد سئل عن مسألة وهي أن ابن رشد سُئِلَ عمن خالج امرأته على أن تتحمل بنفقة ابنه منها إلى الحلم، ثم راجعها بنكاح جديد هل تبقى عليها نفقه ابنها أم لا؟ وكيف لو طلقها ثانية هل تعود إلى نفقته أم لا؟ فأجاب إذا راجعها سقط عنها ما تحملت به ولا يعود عليها إن طلقها ثانية إلا أن تجدد له التحمل، قال بعض الشيوخ: هذه كمسألة المدونة إذا ملكها فلم تقض حتى طلقها ثلاثًا وواحدة ثم نكحها بعد زوج أو بعد عدتها من طلقة فلا قضاء لها لأن هذا ملك مستأنف، ثم قال هذا الشيخ: قلت والعلة الحقيقية أنها لما رضيت به ثانية فكأن الأول لم يكن بوجه فكذا هذه المسألة. قال: أشكل علي يا سيدي جواب ابن رشد سقوط النفقة عنها ومعاوضتها كانت صحيحة وترتبت النفقة في ذمتها ولا يسقط ما في الذمة إلا بالإبراء والإسقاط، وقد قالوا: إذا ماتت المرأة المتحملة بنفقه الولد في الخلع أخذ من تركتها وكذلك أشكل على التنظير المذكور، فالمراد من سيدي بيان ما يختار في المسألة وبيان وجه فقه ابن رشد ووجه التنظير المذكور بأتم بيان، فأجاب: الحمد لله اعلم – حفظك الله – أن كثيرًا من مسائل الفقه يجري الحكم فيها على مقصود أهل العرف وإن كانت الألفاظ تدل على خلاف ذلك ومسألة النفقة التي أشرت اليها وأجاب ابن رشد عنها فيها من هذا المعنى، وذلك أن القوام على المرأة وولدها حال كونها تحت الزوج هو الزوج لكن يسهل ذلك عليه، وهم في موضع واحد فإن وقع افتراق عسر على الزوج القيام بمئون متعددة قد علم هذا بشهادة العادة عند الفراق، فلذا ترى الرجل يرغب في صرف نفقة الولد إلى غيره وهذا المعنى يزول عند المراجعة بانضمام الزوجة وولدها إلى الزوج ولا ترى في العادة زوجة تكون مع زوجها، وهي تنفق له على ولده فلهذا نعلم أن مراجعته إياها أنه أسقط النفقة عنها ولا شك أنها لا تعود بعد الإسقاط وبمثل هذا العرف قضى الإمام فيمن التزمت في الخلع إجراء النفقة على الولد إلى بلوغ الحلم فمات الولد صغيرًا قال: ليس للأب ما بقي من المدة إلى الحلم وعلله بأنه أدرك الناس أنهم لا يظلمون ذلك فترك صريح الالتزام للعرف، والتنظير من الشيخ راجع للعرف أيضا فإن التمليك إذا كان توكيلًا فالشأن في الوكيل أن لا يعزل حتى يقضي ما وكل عليه أو يصرح بترك ذلك، لكن العرف عند بعض أهل العلم يقتضي الجواب في المجلس، ومن لم يجب عد تاركًا ولبعضهم حتى يوقف الحاكم المحكمة على الأخذ أو الرد لما عرض في المسألة أن العصمة لا تصح – وفيها إخبار – لغير الزوج (١) وما ذكره من أن كثيرًا من مسائل الفقه يجرى الحكم فيها على مقصود أهل العرف وإن كانت الألفاظ تدل على خلاف ذلك هو ما عبر عنه الشاطبي عندما أكد بأنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع الأميين وهم العرب الذي نزل القرآن بلسانهم فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه إلى غيره في فهم الشريعة، وإن لم يكن هناك عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جار في المعاني والألفاظ والتراكيب وأساليب الكلام (٢) .