للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالأصل والقياس يقتضي أن لا يدفع الدين لغير صاحبه ولا ينفذ قبضه على الدائن ما لم يكن للقابض نيابة عن الدائن من ولاية أو وكالة ولكن الفقهاء تركوا القياس في البنت البكر البالغ إذا قبض أبوها مهرها من زوجها حين زفافها، واعتبروا هذا القبض نافذًا عليها ومبرئًا لذمة الزوج وذلك للعرف والعادة لأنه إذا تعارض الأصل مع العرف قدم العرف على الأصل والقياس ومن هذا القبيل دعوى المرأة على زوجها بعد الخلوة بها وبعد مفارقته لها أنه وطئها وأنكر هو الوطء فالزوجة قد شهد لها العرف والزوج قد شهد له الأصل إذ الأصل براءة الذمة ولكن رجح العرف على الأصل عند التعارض ولذا اعتبرت الزوجة مدعي عليها وهو المدعي وكان عليه البينة لأن من شهد له الأصل كان مدعيًا ما لم يعارضه العرف فيكون مدعي عليه (١) ولكنهم استثنوا مسألة واحدة قدموا فيها الأصل على العرف وهي ما إذا ادعى رجل صالح مشهور بالتقى ومخافة الله على رجل فاسق لا يتقي الله ادعى الصالح دينًا على الفاسق فأنكره، فالأصل يشهد للفاسق إذ الأصل براءة الذمة والعرف أن الرجل الذي يخشى الله ويتقيه لا يكذب ولا يدعي ظلما وبهتانًا على أحد. والشأن من الرجل الذي اشتهر بالصلاح والتقوى مخافة الله أن العرف يشهد له، ومع ذلك حكموا بأنه مدعى عليه البينة وقد نظم هذه الصورة الصنهاجي فقال:

والأصل والغالب إن تعارضا

فقد الغالب فهو المرتضى

إلا في دعوى صالح على سواه

بالدين فالعكس جميعهم يراه

ثم الحكم إذا كان مستندًا إلى العرف فإن الحكم يتغير بتغير العرف لأن العرف ينزل منزلة العلة التي يدور الحكم معها وجودا وعدما، ولقد ذكر القرافي أن الإفتاء بالأحكام التي مستندها العرف والعادة يتغير الحكم بتغير العادة وليس ذلك إنشاء اجتهاد جديد ناقض لاجتهاد المجتهدين بل هو تطبيق لقاعدة أجمع عليها علماء الشريعة وجروا في فتواهم على تحقيقها وتطبيقها (٢)

تعارض العرف مع اللغة:

اختلف الأصوليون في تقديم العرف على اللغة أو اللغة على العرف وقد مال القرافي وجماعة إلى تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية واعتبر الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية، وقد نقلنا فيما تقدم كلامه في الفرق الثامن والعشرين، وقد صرح في الأحكام أنه ينبغي أن يعلم أن معنى العادة في اللفظ أن ينقل إطلاق لفظ واستعماله في معنى حتى يصير هو المتبادر من ذلك اللفظ عند الإطلاق مع أن اللغة لا تقتضيه، وهذا هو معنى العادة في اللفظ وهو الحقيقة العرفية وهو المجاز الراجح في الأغلب وهو معنى قول الفقهاء: أن العرف يقدم على اللغة عند التعارض، ثم أوضح أنه يتعين أن يدور لفظ الفتيا فيها مع اشتهارها في العرف وجودًا وعدمًا ففي أي شيء اشتهرت حملت عليه بغير نية وما لم يشتهر لم تحمل عليه إلا بنية (٣) وقد مثل القرافي في تنقيحه لتقديم الحقيقة العرفية على اللغوية بقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور (٤) قال: إن حملناه على اللغوي وهو الدعاء لزم أن يتقبل الله دعاء بغير طهارة ولم يقل به أحد فيحمل على الصلاة في العرف وهي العبادة المخصوصة فيستقيم (٥) .


(١) الصنهاجي، مواهب الخلاق على شرح التاودي للامية الرقاق: ١ /١٠٨
(٢) الأحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام: ص ٦٨.
(٣) الأحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام: ص ٦٩.
(٤) رواه الجماعة إلا البخاري، عن ابن عمر
(٥) تنقيح الفصول باختصار المحصول ص ١١٤

<<  <  ج: ص:  >  >>