إذا كان الحكم مستفادًا بطريق القياس أو الاستحسان أو الاستصحاب. أو المصالح المرسلة من كل الأدلة الفرعية غير الكتاب والسنة والإجماع فإن العرف إذا عارض ذلك الحكم المستنبط من المجتهد يعتبر ويعتد به ومعنى ذلك أننا نأخذ بذلك العرف ونترك الحكم المعارض له الذي كان منشؤه القياس والاستحسان ونحوهما إذ العرف يرجح عليه عند التعرض وهذا هو الرأي الأرجح لدى الفقهاء، فالحكم الذي منشؤه القياس، فالعرف أولى منه، ولو كان عرفًا حادثًا، ولقد اعتبر الفقهاء هذا من قبيل الاستحسان، ذلك أن الاستحسان هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى أو هو تخصيص قياس بأقوى منه أو هو العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى منه أو هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس كدخول الحمام من غير تعيين زمن المكث ومقدار الماء المسكوب والأجرة وهذا كله خلاف الدليل لأن الدليل هو الذي أدى إلى وجوب تعيين المنفعة والأجرة في الإجارات وتعيين المبيع والثمن في المبيعات (١) وبما ذكرنا ندرك كيف أن العرف يترجح على القياس وهو يستند إلى نص تشريعي في الجملة باعتباره الأصل المقيس عليه فيترجح على الاستحسان والمصلحة المرسلة التي لا تستند إلى نص من باب أولى، ويتضح ذلك بضرب الأمثلة؛ القياس يقتضي أن الحاكم يستمع لكل دعوة ترفع إليه، ثم يقضي بين المدعي والمدعى عليه حسب ما يثبت لديه من الأدلة لكن ترك هذا القياس فيما إذا ادعت الزوجة المدخول بها أن زوجها لم يدفع إليها شيئًا من معجل الصداق وطلبت القضاء عليه بمهرها المعجل قالوا: لا تسمع دعواها هذه بل يردها القاضي دون أن يسأل عنها الزوج، وقد عللوا ذلك بالعرف والعادة ذلك أن عادة الناس قد اطردت بأن البنت لا تزف إلى بيت الزوجية ما لم يدفع الزوج المعجل من الصداق أو كل الصداق، فتكون دعواها حينئذ مما يكذبها العادة والعرف وظاهر العرف، وظاهر الحال وهو دعواها هذه الدعوى بعد الدخول والمكوث المدة في بيت الزوجية فلا تسمع دعواها، وقد نقل الشهاب القرافي أن الزوجة إذا ادعت بعد الدخول بها عدم قبض صداقها، فالقول للزوج مع أن الأصل القياسي عدم القبض (٢) .
وإذا تعارض العرف والأصل كان من شهد له العرف هو المدعى عليه والأصل هنا براءة الذمة لكن بعد تحقق عمارتها يكون الأصل استصحاب الحالة التي هي عمارتها حتى يتحقق الرافع لعمارتها وقد سقنا فيما تقدم جملة من الأمثلة مما تعارض به الأصل كتعارض براءة الذمة وعمارتها بعد شغلها وتعارض الصحة والمرض وتعارض الخطأ والعمد وتعارض الجهل والعلم وتعارض الغنى والفقر وتعارض الصحة والفساد أو تعارض الأصل والعرف (٣) .
(١) شرح العضد على مختصر ابن الحاجب، ط: ٢ /٢٨٨ (٢) شهاب الدين القرافي، الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص: ٢٧. (٣) محمد العزيز جعيط الطريقة المرضية: ص ٤٢، وما بعدها.