للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

معارضة العرف الخاص للنص العام:

إذا كان هناك عرف خاص بجماعة دون جماعة أو بمكان دون مكان كعرف الصناع والتجار وبعض البلدان أو في بعض الصناعات، فالمعتمد أن هذا العرف لا يعتد به فلا يخصص النص الوارد ولو كان قائمًا عند ورود النص ذلك أنه إذا كان عرف بعض البلاد يقتضي التخصيص لذلك النص فعدمه لدى بقية الأماكن أو التجار والصناع لا يقتضيه ولا شك أن التخصيص لا يثبت بالشك.

هل يكون العرف العملي أي الفعلي مخصصا؟ اختلفت المالكية في ذلك فجمهور المحققين منهم ذهبوا إلى أن العرف العملي القائم وقت ورود النص يخصص النص العام ويقيد النص المطلق خلافًا لما ذهب إليه القرافي من أن العرف الفعلي العملي لا يصلح للتخصيص والتقييد، وقد نقلنا كلامه آنفًا (١) فلقد صرح القاضي أوب عبد الله المقري في قواعده بأن العادة كالشرط عند مالك تقيد المطلق وتخصص العام كما رد أبو عبد الله محمد بن غازي على القرافي فيما ذهب إليه موضحًا أن مسائل المدونة وغيرها دالة على تخصيص العام بالفعلي كما يخصصه العرف القولي كما نقل شمس الدين محمد بن عرفة الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير نقل عن ابن عبد السلام أن ظاهر مسائل الفقهاء اعتبار العرف مطلقًا قوليها كان أو فعليًّا، كما نقل الوانوغى عن أبي الوليد الباجي أنه صرح بأن العرف العملي يعتبر مخصصًا أيضا، قال الدسوقى، وهو رأي القلشاني: هذا كله فيما إذا كان العرف سابقًا أو مقارنًا للنص، أما العرف المتأخر الحادث بعد ورود النص فلا يعتد به ولا يعمل عليه ولا يصلح بحال أن يكون مخصصًا للنص الشرعي بالإجماع، ولا فرق بين أن يكون عرفًا عامًا أو عرفًا خاصًا قوليًّا أو فعليًا ذلك أن مفهوم النص قد حدد مراد الشارع وكان نافذ المفعول، فلو قلنا بتخصيص العرف له لكان ناسخًا لحكم النص ولا ينسخ النص بالعرف، إذ من شرط اعتبار العرف الذي تحمل عليه الألفاظ أن يكون موجودًا حال صدورها مخصصًا أو مقيدًا لا ناسخًا (٢)


(١) الفرق الثامن والعشرين: ١ /٢١٧، وما بعدها
(٢) التنقيح: ص ١٩٤

<<  <  ج: ص:  >  >>