للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والعرف حيث قارن الخطاب (١) وهذا لا خلاف فيه بينهم في العرف اللفظي، أما العرف العملي فقد اختلف فيه الجماعة فقال بعضهم: لا يخصص عموم النصوص ولا يقيد مطلقاتها، وذهب جمهور المحققين إلى أن العرف العملي القائم عند ورود النص يخصص النص العام ويقيد المطلق خلافًا لما ذهب إليه القرافي من أن العرف العملي لا يصلح للتخصيص ولا للتقييد وقد تبعه في ذلك الونشريسي حيث ذكر أن العادة الفعلية لا تخصص العام (٢) .

وقد علق ابن الشاط قول القرافي، وقد حكى جماعة من العلماء الإجماع على أن العرف الفعلي لا يؤثر بخلاف العرف القولي، قال القرافي: ورأيت المازري في شرح البرهان حاول الإجماع في ذلك ونقل عن بعض الناس خلافًا في ذلك ونقل مثلًا عنه، وفي ذلك نظر فالظاهر حصول الإجماع فيه ولم أرَ أحدًا جزم بحصول الخلاف بل رأى كلامًا لبعض الناس أوجب شكًا وترددًا، وهو محتمل للتأويل فلا تناقض بين نقل الإجماع في المسألة وبين هذه المثل المشار إليها، ولقد وضح القرافي لما ذهب إليه من الفرق بين العرف القولي والعرف الفعلي بمسائل الأولى: إذا فرضنا أحدًا أعجميًّا يتكلم بالعجمة، وهو يعرف العربية، غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه فحلف لا يلبس ثوبًا ولا يأكل خبزًا وكان حلفه بألفاظ العربية التي لم تجرِ هودته باستعمالها وكانت عادته في غذائيه لا يأكل إلا خبز الشعير، ولا يلبس إلا ثياب القطن، فإنا نحنثه بأي ثوب لبسه وبأي خبز أكله، سواء كان من عادته في فعله أم لا، وهذا إذا لم تجر له عادة باستعمال اللغة العربية لأنه لو كانت عادته استعمال اللغة العربية لكان طول أيامه يقول أكلت خبزًا وائتوني بخبز وعجلوا بالخبز والخبز على المائدة قليل ونحو ذلك ولا يريد في هذا النطق كله إلا خبز الشعير الذي جرت عادته به فيصير له في لفظ الخبز عرف قولي ناسخ للغة، فلا يحنث بغير خبز الشعير وكذلك القول في ثوب القطن بخلاف إذا كان لا ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة فإنه لا يكون له في اللفظ اللغوي عرف مخصص يقدم على اللغة فيحنث بعموم المسميات اللغوية من غير تخصيص ولا تقييد قال ابن الشاط: لا نسلم له تحنيثه بل لقائل أن يقول اقتصاره على أكل خبز الشعير ولبس ثياب القطن مقيد لمطلق لفظه ويكون حينئذٍ من قبيل بساط الحال فإن الأيمان إنما تعتبر بالنية، ثم ببساط الحال، فإذا عدما حينئذ يعتبر العرف، ثم اللغة أن عدم العرف وزاد القرافي في إقامة الحجة على أن العرف العملي لا يخصص ولا يقيد، وردها ابن الشاط بأن ذلك غير مسلم لقاعدة أن الاقتصار على بعض مسمى اللفظ في الاستعمال الفعلي من جنس البساط وذكر القرافي في المسألة الرابعة حمل اليمين على العرف ثم على النية، ثم على البساط قال ابن الشاط: وفيه نظر لأنه لا يخلو أن يترتب على يمينه تلك حكم أو لا يترتب، فإن لم يترتب عليها حكم، فالمعتبر النية، ثم السبب أو البساط، ثم العرف، ثم اللغة، وإن ترتب عليها حكم المعتبر، فالمعتبر العرف ثم اللغة لا غير.


(١) نشر البنود على مراتب السعود: ٢ /٤٦
(٢) المنهج الفائق، والمنهل الرائق، والمغني اللائق بآداب الموثق، وأحكام الوثائق، ط. حجرة

<<  <  ج: ص:  >  >>