للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومقتضى اللغة أن لا يصح هذا الكلام إلا بمضاف محذوف تقديره فلان يعصر عنب الخرم، لكن أهل العرف لا يقصدون هذا المضاف بل يعبرون بهذا التركيب عن عنصر العنب كما يعبرون بتحريم الميتة عن تحريم أكلها، فهذا ونحوه مجاز في التركيب بالنسبة للغة حقيقة عرفية منقولة للمعنى الخاص بالعرف والعادة، ومن هذا الباب طحن دقيقًا وقتل قتيلًا لأن المقتول لا يقتل والمطحون لا يطحن، إذ تحصيل الحاصل من المحال ولكنه كلام صحيح في العرف والعادة، وهؤلاء لا يعرجون على هذه المضافات ولا ببالهم يخطر هذه المقدرات، بل صار هذا اللفظ المركب موضوعا لقتل الحي وطحن القمح، وهذا هو ما يعبر عنه بالحقائق العرفية في المفردات والمركبات وبهذا يفرق بين المجاز في المفرد والمركب، وبين الحقيقة العرفية فيهما فكل لفظ مفرد انتقل في العرف لغير مسماه وصار يفهم منه غير مسماه بغير قرينة، فهو حقيقة عرفية وكل لفظ أسند لغير من هو له من غير تأويل فهو منقول عرفي من المركبات والنقل العرفي مقدم على موضوع اللغة لأنه ناسخ للغة والناسخ يقدم على المنسوخ وهذا معنى قولنا إن الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية.

أما العرف الفعلي فمعناه أن يوضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقية أنواعه كلفظ الثوب صادق لغة على ثياب الكتان والقطن والحرير والوبر والشعر، وأهل العرف إنما يستعملون من الثياب الثلاثة الأول دون الأخريين، فهذا عرف فعلي كذلك لفظ الخبز يصدق لغة على خبز الفول والحمص والبر وغير ذلك غير أن أهل العرف إنما يستعملونه في الأخير من أغذيتهم دون الأولين فوقوع الفعل في نوع دون نوع لا يخل بوضع اللفظ للجنس كله فإن ترك مسمى لفظ ولم يباشر لا يخل بوضع اللفظ له فلفظ الياقوت وضع لحجر بخصوصه، فإذا لم تباشره فإن ذلك لا يخل بوضع لفظ الياقوت (١) .

وإذا أدركنا الفرق بين العرف اللفظي والعرف العملي، أدركنا تأثير العرف اللفظي على المعاني وكيف أنه مقدم في الاستعمال على الحقائق اللغوية وعليه فألفاظ البيع والشراء والعقود كالإجارة والمساقاة والمغارسة ونحوها والصلاة والصيام وغيرها من العادات وعدة المرأة في الطلاق أو الوفاة ونحوها، فهذه كلها تحمل على المعاني العرفية والشرعية عند ورود النص بها، وإن اختلفت عن معانيها الوضعية في أصل اللغة، أما العرف العملي إذا ورد النص مخالفًا له فقد اختلف فيه هل يخصص به النص العام أم لا؟ وقد قال الشيخ عبد الله الشنقيطي في كتاب نشر العقود على مراقي السعود أن نصوص الشريعة لا يخصصها من العوائد إلا ما كان مقارنًا لها في الوجود عند النطق بها، أما الطارئة بعدها فلا تخصصها وإليه الإشارة بقوله.


(١) الفروق، للقرافي الثامن والعشرين: ١ /٢١٧

<<  <  ج: ص:  >  >>