للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرافي: وفي نفاس الأصول في شرح المحصول الوضع له ثلاثة معان: جعل اللفظ دليلًا على المعنى كتسمية الولد زيدًا ومنه تسمية اللغات ووضعها، ويقال: الوضع على غلبة الاستعمال للفظ في المعنى حتى يصير أشهر من غيره وهذا هو وضع الحقائق الثلاث الشرعية كالصلاة للفعل المخصوص والعرفية العامة كالدابة للحمار والعرفية الخاصة كالجوهر والعرض عند المتكلمين، ويقال: الوضع على مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة وهو قولهم من شرط المجاز الوضع أي سمع منهم مرة واحدة وهو قولهم من شرط المجاز الوضع أي يسمع منهم مرة واحدة التجوز لذلك النوع من المجاز، ولم يسموا مطلق الاستعمال وضعًا إلا في هذا الوضع (١) .

وقد ذكر القرافي في الفرق بين العرف القولي يقضي به على الألفاظ ويخصصها وبين العرف الفعلي لا يقضي به على الألفاظ ولا يخصصها وبين أن العرف القولي أن تكون عادة أهل العرف يستعملون اللفظ في معنى معين ولم يكن ذلك لغة وهو قسمان الأول: في المفردات نحو الدابة للحمار والغائط للنجور والراوية للمزادة ونحو ذلك، وثانيهما: في المركبات وهو أدقها على الفهم وأبعدها عن التفطن وضابطها أن يكون شأن الوضع العرفي تركيب لفظ مع لفظ يشتهر في العرف تركيبه مع غيره وله مثل أحدها نحو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [سورة النساء: الآية ٢٣] .

وكقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [سورة المائدة: الآية ٣] .

فإن التحريم والتحليل إنما تحسن إضافتها لغة للأفعال، دون الأعيان فذات الميتة لا يمكن في العرف أن يقال هي حرام، فيما هي ذات بل فعل يتعلق بها وهو المناسب لها كالأكل للميتة والدم ولحم الخنزير والشرب للخمر والاستمتاع للأمهات والبنات ومن ذكر معهن ومن هذا الوادي قوله صلى الله عليه وسلم ((ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)) ، والأعراض والأموال لا تحرم، بل أفعال تضاف إليها فيكون التقدير ألا وإن سفك دمائكم وأكل أموالكم وثلب أعراضكم عليكم حرام وعلى هذا المنوال جميع ما يرد من الأحكام كان أصله أن يضاف إلى الأفعال، فإذا ركب مع الذوات في العرف وما بقي يستعمل في العرف إلا مع الذوات فصار هذا التركيب الخاص وهو تركيب الحكم مع الذوات موضوعًا في العرف للتعبير به عن تحريم الأفعال المضافة لتلك الذوات وليس كل الأفعال، بل فعل خاص مناسب لتلك الذوات. ثانيها أفعال ليست بأحكام كقولهم في العرف أكلت رأسًا وأكل رأسًا فلا يكادون ينطقون بلفظ الأكل كيف كان، بل لا تصرف إلا لرؤوس الأغنام دون جميع الرؤوس بخلاف رأيت رأسًا، فإنه يحتمل جميع الرؤوس ومن هذا القبيل ما جرى في مصر من مثل قتل زيد عمرًا فهو في اللغة موضوع لإذهاب الروح وهو في مصر ينصرف عرفًا للضرب خاصة، فيقولون: قتله الأمير بالمقارع قتلًا جيدًا، ولا يريدون إلا ضربه فهو من باب المنقولات العرفية وهي الطارئة على اللغة ومن هذا الباب قولهم فلان يعصر الخمر وهي لا تعصر، بل صار هذا التركيب موضوعًا لعصر العنب.


(١) نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي، خط:١ /٣٤٠

<<  <  ج: ص:  >  >>