فإذا ما تغيرت هذه العادة كما في هذا الزمان حيث أصبحت الفتاة لا تتحرج من إعلان رغبتها وأصبح لا فرق بين البكر وبين الثيب فهل عندئذ لا يكفي السكوت بل لا بد من صريح اللفظ وإبداء الرأي وقد مال إلى هذا بعض المجددين اعتبارًا لما عليه بنات اليوم وبالأخص اللاتي تخلقن بأخلاق الأجنبيات من الأوروبيات من أبناء المدن وعندي أن هذا ليس من باب تبدل العادات وإنما هو من فساد الأخلاق وانحلالها بدليل أن الأغلبية الساحقة من فتيات القرى والمداشر لم يتغيرن، وإنما هي فئة قليلة خرجت عن عادات بلادها وتقاليدها وانصهرت وتطبعت بأخلاق الأوروبيات وانحرافها، وإن أعظم مسؤول في هذا الانحلال هم الأولياء الذين لم يرعوا بناتهم ولم يوجهوهن توجيهًا إسلاميًّا يتماشى والفطرة البشرية، فالأسرة تتحمل القسط الأوفر من ذلك، ثم التوجيه المدرسي الذي لم يعر وزنًا للتربية الدينية الإسلامية وإلا فإن البكر في الأسر المحافظة الملتزمة مازالت محتشمة لا تجرؤ على معاكسة أبيها ومخالفة ما وافق هو عليه، لأنها تعلم علم اليقين أن الأب الصالح لا يختار لابنته إلا ما فيه صلاحها وسعادة مستقبلها. نعم من الآباء من لا خلاق لهم يجرون وراء المادة، فيدفعون بناتهن قربانًا لشهواتهم ونهمهم وحبهم للدرهم والدينار فجعلت غشاوة على قلوبهم حتى لا يدركوا إلا مصالحهم الخاصة وإن ذهبت بناتهم فداء، ولذا جعل الشرع الحق لمثل هؤلاء أن يعترضن على آبائهن عن سوء اختيارهم ولو أحسنت الآباء تربية الأبناء وقاموا بواجبهم نحوهم كما أمرت الشريعة لما انقلبت الأوضاع وفسدت الأخلاق وانحلت القيم، ولو فتحنا هذا الباب على مصراعيه من غير إمعان وتثبت لما يعتبر من تغير العادات وما لا يعتبر شرعًا لأدى ذلك إلى هدم الشريعة بالتأويل والتعليل لنصوصها وفي ذلك من الخطر على هذه الشريعة ما فيه وعلينا أن نتثبت فيما تدعو إليه الضرورة وتقتضيه تغير الأحوال بتغير الزمان وتغير المصالح والمفاسد أما العادات الجارية على حسب الهوى والتابعة للذات والشهوات فلو فتح هذا الباب لاستباح الناس كثيرًا من المحرمات واستحسنوا كثيرًا من الرذائل الموبقات، وذلك بدعوى الحداثة والتجدد، وقد جاء في حديث البخاري الذي أخرجه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذارعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم)) ، قلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى قال: ((فمن)) ، فأعلم صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات في الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم وهذا واقع ملموس مشاهد كل يوم في غالب البلدان الإسلامية في ملوكها وعلمائها وقضاتها.
معارضة العرف للنص العام:
ذكرنا فيما تقدم معارضة العرف للنص الخاص وهنا سنبحث معارضته للنص العام وهذه المعارضة إما أن تكون مقارنة لورود النص أو متأخرة عنه، فإذا ورد النص مقارنا للعرف لو كان العرف سابقًا عن النص، فإن كان العرف لفظيًّا فقد اتفق الفقهاء على اعتباره ومعنى ذلك أن يحمل اللفظ الوارد على المعنى العرفي أي على المعنى المتبادر لأذهان الناس عملًا بقاعدة يحمل اللفظ على المعنى الحقيقي ما لم تقم قرينة توجب حمله على المعنى المجازي ذلك أن العرف اللفظي يصير المعنى المتعارف حقيقة عرفية ولا شك أن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية والنقل العرفي يجعل اللفظ حقيقة عرفية بالوضع وغلبة الاستعمال والحقيقة العرفية هي التي انتقلت عن مسامها اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول، قال فخر الدين الرازي في المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها وضعت لغة لكل ما يدب كالإنسان فخصصها العرف العام بما له حافر وإما باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافتهم الحرمة إلى الخمر، وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب أو بالاصطلاح الخاص، وهي الحقيقة العرفية الخاصة وهي ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كاصطلاح الفقهاء على القلب والنقض والجمع والفرق (١) وكاصطلاح النحاة على الرفع والنصب والجر والحقيقة الشرعية وهي اللفظ المستعمل المستفاد من الشارع وضعها كالصلاة للأفعال المخصوصة والزكاة للقدر المخرج والحرث والماشية والمال (٢) .
(١) القلب نقله النظار من معناه اللغوي إلى ربط خلاف ما قاله المستبدل بعلته للإلحاق بأصله ونقلوا النقض من معناه اللغوي إلى إبداء الوصف المدعى علته بدون الحكم، ونقلوا الجمع من معناه اللغوي للجمع بين الفرع والأصل في حكم بعلة مشتركة ونقلوا الفرق من معناه اللغوي لجعل خصوصية الأصل علة الحكم وجعل خصوصية الفرع مانعًا، انظر حاشية بخيت بأسفل شرح المنهاج ٢ /١٥١ (٢) الإسنوي على المنهاج للبيضاوي بحاشية الشيخ بخيت: ٢ /١٥٠ شرح القرافي على المحصول خط: ١ /٣٣٧