وقد روى أبو داود والترمذي ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاع عبدًا بعبدين)) ، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح وبناء على ما نقلنا فما كان كان وزنيًّا كالذهب والفضة، فالمعتبر فيه الوزن وما كان كيليًّا كالحنطة والشعير والملح والتمر، فالمعتبر فيه الكيل وهذا الحكم يقوم على أساس وجوب التساوي في الكميات المبدلة في الجنس الواحد ولا خلاف بين العلماء في أن التساوي يعتبر شرعًا بالمقياس العرفي في كل صنف، فما كان وزنيًّا عرفًا كالزبيب والسمن يجب تساوي الكميات فيه بالوزن وما كان كيليًّا يجب فيه التساوى بالكيل وإذا تبدل العرف في مقياس شيء وأصبح كليليًا مثلًا بعدما كان وزنيًّا أو أصبح وزنيًّا بعدما كان كيليًّا ككثير من الأشياء التي نتعامل بها في هذا الزمان فيتبدل المقياس الربوي فيه تبعًا للعرف وقد ورد النص في الأصناف الستة فهل يقتصر على ما ورد به النص وهو ما ذهب إليه أبو يوسف وما ذكر في الحديث إنما ذكر فيها ما كان مقياسًا متعارفًا على عهد الرسول بحيث لو كان العرف فيها على مقياس آخر لورد النص معتبرًا به.
ومن النصوص التي اعتبرها بعضهم مبنية على العرف ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم:((الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها)) . أخرجه مسلم وأحمد وأرباب السنن عن ابن عباس وعن أبي هريرة رضي الله عنه، كما في البخاري وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن)) ، قالوا: يا رسول الله: كيف إذنها؟ قال:((أن تسكت)) وقد ذهب الحنفية إلى أن الأمر للوجوب فيجب على أبي البكر البالغة استئذانها في التزويج، فإذا زوجها من غير إذنها كان الزواج موقوفًا على إذنها، أما البكر غير البالغة فلا إرادة معتبرة لها، فلا يجب استئذانها إجماعًا وإلى وجوب الاستئذان ذهب الأوزاعي والثوري وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم ويؤيد ما ذهبوا ليه ما رواه ابن عباس: أن جارية بكرًا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن الأمر هنا أمر ندب وإرشاد وأنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان والذي صرف الأمر عندهم عن الوجوب هو أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس فرق في الحكم بين الثيب والبكر فجعل الثيب أحق بنفسها ما اقتضى نفي ذلك عن البكر فيكون أحق بها منها، وعلى كل فقد اعتبر سكوت البكر إذنًا في تزويجها من رجل معين وبمهر معين، فكان سكوتها توكيلا وهو مبني على العرف والمعروف فيها من الخجل عن إظهار رغبتها في الزواج عند استنفار وليها لها في العادة قاضية بأن السكوت علامة الرضا.