للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعند مالك العلة هي مجموع الاقتياد والادخار فهذا هو علة المنع في الربوي، وهذا هو القدر المشترك بين الأنواع الأربعة الأخيرة المناسب للتحريم، وقد نبه صلى الله عليه وسلم بذكرها ليبقى للعلماء مجال في الاجتهاد ويكون داعيا لبحثهم الذي هو من أعظم القرب فجاء في الحديث ((لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إن كان يدًا بيد)) ولقد نبه صلى الله عليه وسلم بذكرها ونص على البر الذي هو قوت اليسر والشعير الذي هو قوت العسر لينبه بهما على الوسط كالأرز والدخن والذرة والسلت وذكر التمر لينبه به على المقتات المدخر الذي فيه ضرب من التفكه، كالزبيب والعسل والسكر وذكر الملح لينبه به على مصلح الأقوات، وإنما كان مجموع الاقتياد والادخار علة منع ربا التفاضل لأن ما اتصف به شرف مناسب أن لا يبدل كثيره بقليله الاقتياد والادخار علة منع ربا التفاضل لأن ما اتصف به شرف مناسب أن لا يبدل كثيرة بقليله صونًا للشرف عن الغبن وجاز التفاضل في الجنسين لمكان الحاجة في تحصيل المفقود وامتنع النساء في الطعام مطلقًا إظهارًا لشرفه على غيره وللمقتات منه شرف على غيره لعظم مصلحته فيزيد فيه شرط التماثل وهذا أيضًا سبب تحريم الربا في النقدين لأنهما رؤوس الأموال وقيم المتلفات فشرفا بذلك عن الغير وبهذا اتضح أن مسلك علة الربا المناسبة، وهي أن يكون في محل الحكم وصف يناسب ذلك الحكم وصف يناسب ذلك الحكم أي يتوقع من ترتيب الحكم عليه حصول مصلحة أو درء مفسدة فيكون اتحاد الجنس في ربا الفضل شرطًا في اعتبار العلة لا جزءا لها لعزوه عن المناسبة، ثم إن القدر المعهود في الشرع بكيل أو وزن المعتبر في الموزون وفي المكيل هو ما كان عليه عرف المسلمين في صدر الإسلام وذلك لما رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة)) كما في جامع الأصول (١) .

وإن كان أبو يوسف رحمه الله تعالى يرى أن المقياس المعتبر في الأصناف الربوية هو المقياس العرفي الحاضر وكلامه جلي لأن المكيال والميزان مما يختلف باختلاف العرف وهو يتبدل بتدبل الزمان والمكان كما نص على ذلك الأستاذ الزرقاء (٢) وربا الفضل يختص بالمقدرات المثيلة من مكيل أو موزون فقط، لا مزروع ولا معدود فليس في ذلك ربا، أما الأموال القيمية كأفراد الحيوانات والأراضي والدور والأشجار فلا يجرى فيها ربا الفضل لأنها ليست من المقدرات التي تجمع بين أفرادها وحدة مقياس ومقدار معين فيجوز إعطاء الكثير منها في مقابلة القليل من جنسه فيجوز بيع غنمة بغنمتين لأن ربا الفضل زيادة أحد المتجانسين على الآخر في المقدار والكمية والقيمية ليست من المقدرات (٣) .


(١) جامع الأصول: ١ /٣٧١
(٢) المدخل الفقهي، للأستاذ الزرقاء: ص ٥١٤
(٣) الدر المختار: ٤ /١٨٥

<<  <  ج: ص:  >  >>