للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالعرف إذن لا يعمل به إلا في الحدود التي تركها الشرع للمكلفين في ميادين الأعمال والالتزامات دون الحالة التي تولى الشارع فيها بنفسه تحديد الأحكام فيها على سبيل الإلزام فلا اعتبار للعرف في مخالفته للنص، إلا أن النص الوارد إذا كان صدوره مبنيًا على العرف ومعللًا به، فإن هذا النص يكون قد لاحظ عرف الناس فيدور حنيئذ حكمه مع العرف ويتبدل بتبدله (١) مثاله الحديث المروي عن عبادة بن الصامت: الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، والبر بالبر مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، والشعير بالشعير مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، رواه مسلم لقد اتفق العملاء على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد إلا سعيد بن جبير، فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة بالدخن لأنهما يتقارب نفعهما فجريا مجرى نوعي جنس واحد، واتفق الفقهاء على أن علة الذهب والفضة واحدة وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما فقيل: إن العلة في الذهب والفضة كونه موزون جنس وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي فيجرى لا ربا في كل مكيل أو موزون من جنسه مطعومًا كان أو غير مطعوم كالحبوب والنورة والقطن والصوف والكتان والحناء والحديد والنحاس ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن فيجوز بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل لأن العلة المساواة والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس، لأن الكيل والوزن يسوى بينهما صورة والجنس يسوى بينهما معنى، فكانا علة ولأنا وجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساووا في الكيل وقيل: إن العلة في الأثمان الثمنية وفيما عداها الطعمية فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها وهو قول الشافعي، فالعلة الطعم والجنس الشرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبًا فيختص بالذهب والفضة، ولما روى معمر بن عبد الله ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل)) رواه مسلم، ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال فيقتضى التعليل بهما ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلافها في الموزونات لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النسا (٢) .


(١) المدخل الفقهي العام: ٢ /٨٨٨
(٢) المغني، لابن قدامة:٤ / ١ وما بعدها

<<  <  ج: ص:  >  >>