والعرف إذا تغير تغير الحكم بتغيره في كل ما كان مرجعه للعرف، فقد قال القرافي: إذا جاءك رجل من غير إقليمك لا تجره على عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أيا كانت إضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضي (١) ، وقد ذكر في الأحكام أن الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب مالك والشافعي وغيرهما المترتبة على العوائد والعرف اللذين كانا صالحين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام، إذا تغيرت تلك العوائد وصارت تدل على ضد ما كانت تدل عليه أولًا فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في الكتب ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة، أو يقال: نحن مقلدون ومالنا شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد فنفتي بما في الكتب المنقولة من المجتهدين، قال القرافي: فالجواب أن جري هذه الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين بل كل ما في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة وليس ذلك تجديدًا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها فنحن نتبعهم فيها من غير اجتهاد، ألا ترى أنهم أجمعوا على أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقدًا معينًا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عينًا من انتقلت العادة إليه وألغينا الأول لانتقال العادة عنه، وكذلك الإطلاق في الوصايا والأيمان وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد وكذلك الدعاوي إذا كان القول قول من ادعى شيئًا لأنه العادة ثم تغيرت العادة لم يبقَ القول قول مدعيه، بل انعكس الحال فيه ولا يشترط فيه تغير العادة، بل لو خرجنا نحن من ذلك البلد إلى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه أفتيناهم بعادة بلدهم ولم تعتبر عادة البلد الذي كنا فيه وكذلك إذا قدم أحد من بلد عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه لم نفته إلا بعادة بلده.
تعارض العرف مع غيره من الأدلة:
لا يخلو الأمر من أن يعارض العرف نصًا من كتاب أو سنة أو أن يعارض دليلًا آخر من قياس واستحسان ومصلحة مرسلة والنص لا يخلو حالة من أن يكون خاصا أو عامًا، فإذا كان النص خاصًّا وكان العرف بخلافة فلا اعتداد لهذا العرف ولا اعتبار به، وقد كانت كثيرًا من العادات المتعارفة عند العرب قد أبطلها الشرع بورود النصوص بخلافها لذا أن من المتفق عليه أنه مهما كان العرف مخالفا للنص الوارد من الشرع عملنا بالنص وتركنا العرف المخالف. ذلك أن النص أقوى من العرف ولا يترك الأقوى بالأضعف، كما قال السرخسي في مبسوطه (٢) ، وقد بسطنا فيه القول في ما تقدم ونقلنا كلام الإمام الشاطبي في ذلك موضحين أنه لو كنا نعتد بالعرف مع وجود النص من الكتاب والسنة لنقضنا الشريعة ولعطلنا العمل بها ولم يبق لها معنى كما قاله الشاطبي (٣) .