قال ابن عبد السلام والظاهر الاكتفاء بالغنى عن عدم الدين واستحب كونه بلديًّا ليعرف الناس والشهود، والمقبولين من الشهود وغيرهم (١) فمعرفة عوائد القوم وعاداتهم يعين القاضي على أن يوفق إلى طرق الصواب. وقد أجريت الصدقات والأوقاف من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه منها صدقة عمر الذي أشار بها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك صدقة أبي طلحة الأنصاري فإنها كانت بإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك صدقة عثمان ببئر رومة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين)) فاشتراها عثمان رضي الله عنه وتصدق بها على المسلمين كذلك تصدق سعد بن عبادة بمخراف له عن أمه توفيت، فكانت هذه الصدقات أوقافًا ينتفع المسلمون بثمرتها على تفصيل شروطها فلا شبهة وإن مقاصد الشريعة إكثار هذه العقود، فلذا تعجب مالك رضي الله عنه من القاضي شريح في منفعة التحبيس وقال لما أخبر بمقالة شريح:(رحم الله شريحًا تكلم ببلاده ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه والتابعين بعدهم وما حبسوا من أموالهم وهذه صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حوائط وينبغى للمرء أن لا يتكلم إلا بما أحاط به خبرًا (٢) ، وفي شرح الزقاقية قيل لابن عبد السلام التونسي: إن هؤلاء القوم امتنعوا من توليتك القضاء لأنك شديد في الحكم فأجاب: أنا أعرف العوائد وأمشيها (٣) ولهذا قال الصنهاجي في مواهب الخلاف: ينبغى للقاضي أن يكون عارفًا بعوائد أهل البلد الذي ولي به ليجزي الناس على عوائدهم وأعرافهم المنزلة منزلة الشرط المدخول عليه صريحًا (٤) ، ولا شك أن الحكمة في معرفة أحوال الناس وأعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم تعين كثيرًا القاضي إلى بلوغ الهدف والصواب والأحكام بين أهل الخصام خصوصًا فيما لا نص فيه على أن القاضي بمعرفته لعادات وتقاليد القوم يتضح له ويميز بين المدعى عليه فينكب عن الخطأ في تكليف أحد المتخاصمين بغير ما عينه الشارع له، فإن المدعى عليه من عضده أصل أو عرف وأنه إن شهد لأحدهما الأصل وللآخر العرف كان من شهد له العرف هو المدعى عليه (٥) قال القرافي في الفرق الستين والمائة، وقال مالك في المدونة إذا اختلف الزوجان قضي للمرأة بما هو شأن النساء وللرجال بما هو شأن الرجال وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن البيت بيته في مجرى العادة وهو تحت يده فيقدم لأجل اليد ووافق مالكًا أبو حنيفة والفقهاء السبعة رضي الله عنهم أجمعين، وقال الشافعي: لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدعين وقياسًا على الصباغ والعطار إذا تداعيا آلة العطر أو الصبغ فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وإن شهدت العادة بأن الآلة للعطار وآلة الصبغ للصباغ فكذلك ههنا، قال ابن يونس: إذا فرعنا على مذهب مالك يحلف من قضى له، وقال سحنون ما عرف لأحدهما لا يحلف، وقال ابن القاسم: ما كان شأن الرجال وشأن النساء قسم بينهما بعد يمينهما لاشتراكهما في اليد وما ولي الرجل شراءه من متاع البيت وشهدت له البينة أخذه بعد يمينه ما اشتراه إلا له وكذلك المرأة، فإن اختلفا في البيت نفسه فهو للرجل لأنه ملكه في غالب العادة ولأن يده عليه، قال ابن يونس: الذي يختص بالرجل نحو العمامة فالقول قوله فيه بغير يمين إلا أن تدعي المرأة إرثه فيحلف، قال ابن حبيب: ولا يكفي أحدهما أن يقول هذا لي لأنه متاع البيت حتى يقول: هذا ملكي قال عبد الحق: وتهذيب الطالب لو تنازعا في رداء، فقال: هو لها إلا الكتاب بأن قال: اشتريته، فقال: اصبغ له بقدر كتانة ولها بقدر عملها لأنه لو ادعاه صدق (٦)
(١) الإتقان والإحكام في شرح تحفة الأحكام، لميارة: ١ /١٣ (٢) مقاصد الشريعة الإسلامية، للعلامة محمد الطاهر بن عاشور: ص ١٨٩، ١٩٠ (٣) شرح الزقاقية، لعمر الفاسي: ص ٢٤٨ (٤) مواهب الخلاق على شرح التاودي، للامية الرقاق، للصنهاجي: ٢ /٢٤٣ (٥) الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية، لشيخ الإسلام محمد العزيز جعيط: ص ٥٧ (٦) الفروق للقرافي، الفرق بين المتداعين شيئا لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين قاعدة المتداعين من الزوجين: ٣/ ١٨٨، ط بولاق.