للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الباجي: وإنما اختلفت الأحكام في ذلك لاختلاف الأحوال، وقد قال مالك فيمن وجد بعير: فليأتِ به الإمام يبيعه يجعل ثمنه في بيت المال قال أشهب: إذا كان الإمام عدلا ومعنى ذلك أنه أمن عيها من التعدي فيها فيتركها في موضعها أفضل لأنه يؤمن عليها ضياعها من غير هذا الوجه، ويستغني عن الانفاق عليها والتمون لها وقصد صاحبها إلى ذلك الموضع وتتبع أثرها منه أيسر عليه من طلبها في الآفاق البعيدة، لأنه لا يدري من آواها قريب الدار وبعيدها، فإن خاف عليها متعديًا يتلف عينها؛ كأن أخذها ورفعها إلى الإمام ينظر فيها لصاحبها أفضل له وأمن عليه، والله أعلم وأحكم. وهذا معنى ما روي عن عمر بن عبد العزيز يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (١) فهذا وإن خالف أمر الرسول في الظاهر فهو موافق لمقصوده إذ لو بقي العمل على ما كان عليه في عهد الرسول لأدى ذلك إلى عكس مقصد الشارع وهو صيانة الأموال وحفظها من الهلاك والذوبان.

من هذا القبيل أيضًا نهيه صلى الله عليه وسلم عن كتابة سننه، فقد ثبت عنه ((من كتب عني غير القرآن فليمحه)) واستمر الأمر بعدم كتابة الأحاديث بين الصحابة والتابعين يتناقلون السنة النبوية حفظًا وتلقينًا ودام ذلك إلى آخر القرن الأول من الهجرة وفي مطلع القرن الثاني انصرف العلماء إلى تدوين السنة النبوية لأنهم خافوا ضياعها بموت حفاظها وأدركوا أن سبب نهيه عليه السلام عن كتابة الأحاديث إنما هو خشية وقوع اللبس والاختلاط بين القرآن والسنة، فلما زال موجب هذا الاختلاط لم يبقَ مانع من كتابة الحديث، بل صار من الواجب تدوينه لحفظ السنة النبوية، ولقد نقلنا عن ابن عابدين أنه لا بد للحاكم من وفقه في أحكام الحوادث الكلية وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس حتى يميز بين الصادق والكاذب وبين المحق والمبطل وحتى يطابق بين هذا وذاك، كما أن المفتي لا بد له من معرفة عرف الناس وعاداتهم ومن معرفة الزمان وأهله ومعرفة ما إذا كان العرف عاما أو خاصًا حتى إن من جهل ذلك ولم يكن عالما بأحوال أهلها وعاداتهم وأعرافهم ومقتضيات ألفاظهم فهو جاهل (٢) . ولهذا المعنى اشترط فقهاء المالكية أن يكون القاضي بلديا حيث الذي يعرف أحوال أهلها وعاداتهم وأعرافهم ومعاني من ألفاظهم في اصطلاحهم وعاداتهم قال الإمام محمد بن أحمد ميارة فيما يشترط في القضاء: تنبيه زاد ابن الحاجب في الشروط المستحبة كونه غنيًا لا دين عليه بلديًّا معروف النسب غير محدود، حليمًا مستشيرًا لا يبالي لومة لائم، سليمًا من بطانة السوء غير زائد في الدهاء.


(١) المنتقى. شرح موطأ الإمام مالك، لأبي الوليد الباجي ٦ /١٣٩، ١٤٠
(٢) نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف مجموعة رسائل ابن عابدين: ٢ /١٢٨

<<  <  ج: ص:  >  >>