للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكم من حكم كان مستنده على أحوال الناس وأخلاقهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وتبدلت الأحوال بعد ذلك وتغيرت وفسدت الأخلاق خلال الحكم النبوي بحكم يتماشى وغرض الشارع في تحقيق جلب المصالح ودرء المفاسد وصيانة الحقوق وهذا مما سلكه الصحابة الكرام بعد عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فمن ذلك ما رواه البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل هل يلتقطها من وجدها لتعريفها وردها على صاحبها حين يظهر، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التقاطها، وقال لمن سأل عنها: ((مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد المال وتأكل الشجر حتى يجدها ربها)) ، والحذاء الخف والسقاء الجوف، وسأله عن الشاة فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب، وقد رجح الحنابلة أن كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه ولا التعرض له سواء كان لكبر حجمه كالإبل والخيل والبقر أو لطيرانه كالطيور كلها أو لسرعته كالظباء والصيود أو بغابة كالكلاب والفهود وجاء عن عمر رضي الله عنه من أخذ ضالة فهو ضال أي مخطئ، وبهذا قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد وقال مالك والليث في ضالة الإبل من وجدها في القرى عرفها ومن وجدها في الصحراء لا يقربها ورواه المزني عن الشافعي وكان الزهري يقول من وجد بدنة فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها فلينجزها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة وقال أبو حنيفة ولفظ يباح التقاطها لأنها لقطة أشبهت الغنم والبقر كالشاة عند مالك وهو ملحق بالإبل عند جماعة.

وقد ظل حكم ضالة الإبل وتركها وعدم التقاطها إلى آخر عهد عمر بن الخطاب فلما جاء عهد عثمان بن عفان أمر رضي الله عنه بالتقاطها وبيعها على خلاف ما أفتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن ضالة الإبل وقال عثمان: فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها قال الباجي في المنتقى: فلما كان في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما ولم يؤمن عليهما لما كثر في المسلمين من لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم وكثر تعديهم عليها أباحوا أخذها لمن التقطها ورفعها إليهم ولم يروا ردها إلى موضعها، وقد كان عمر بن الخطاب أمر ثابت بن الضحاك بتعريفها ثم أباح له ردها إلى موضعها.

<<  <  ج: ص:  >  >>