ثانيا: أن يقضي بعلم نفسه قبل أن يقلد منصب القضاء أو بعد أن قلده، ولكن قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه فهذا لا يجوز أن يستند إلى علمه عند أبي حنيفة أصلا وعند صاحبيه يجوز فيما سوى الحدود الخالصة لله عز وجل قياسًا على جواز قضائه فيما علمه زمن القضاء، ورد هذا القياس بالفرق بين الحالتين ذلك أن العلم المستفاد في زمن القضاء علم في وقت يكون القاضي فيه مكلفًا بالقضاء فأشبه البينة القائمة فيه، أما العلم الحاصل في غير زمن القضاء فلا يصلح لأنه ليس في معنى البينة فلم يجز القضاء به لأن البينة المعتبرة أن يسمع القاضي الشهود في ولايته، أما ما يعلمه قبل ولايته فهو بمنزلة ما يسمعه من الشهود قبل ولايته، وهو لا قيمة له فأبو حنيفة يرى أن ما كان من حقوق الله كالحدود الخالصة له، لا يحكم القاضي فيها بعلمه لن حقوقه سبحانه مبنية على المسامحة والمساهلة أما حقوق الناس مما علمه القاضي قبل ولايته لا يحكم به وما علمه في ولايته حكم به (١) .
والمعتمد عند المتأخرين من الحنفية والمفتى به عدم جواز استناد القاضي في قضائه لعلمه مطلقًا في هذا الزمان لفساد قضاة الزمان (٢)
أما الشافعية، فالأظهر عندهم أن القاضي يقضي بعلمه قبل ولايته أو في أثنائها في محل ولايته أو غيرها سواء أكان في الواقعة بينه أم لا إلا في حدود الله تعالى وعلى هذا فيجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في الأموال وفي القصاص وحد القذف على الأظهر لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان فقضاؤه بما يفيد القطع وهو عمله أولى، أما الحدود الخاصة لله تعالى كالزنا والسرقة والمحاربة وشرب المسكرات فلا يقضي بعلمه فيها، لأن الحدود تدرأ بالشبهات ولأنه يندب سترها لكن إن اعترف أحد بموجب الحد ومجلس الحكم قضى فيه بعلمه (٣) لقوله صلى الله عليه وسلم: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) (٤) وفي قصة العسيف (أى الأجير) الذي زنى بامرأة.
وعند الحنابلة ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها، قال ابن قدامة: وهذا قول شريح والشعبي ومالك وإسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن، وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى يجوز له ذلك، وهو قول أبي يوسف وأبي ثور والقول الثاني للشافعي واختيار المزني لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينا من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال لها:((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وهو حكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين لأنهما يغلبان على الظن، فما تحققه وقطع به كان أولى ولاية بحكم تعديل الشهود وجرحهم فكذلك في ثبوت الحق قياسًا عليه والظاهر من مذهب الحنابلة أن القاضي لا يستند إلى علمه في حكمه على أحد المتخاصمين لما ورد في الحديث السابق من قوله:((ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه)) فدل على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم ولقوله صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي: ((شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا ذاك)) ولما روي عن عمر رضي الله عنه أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما أنت شاهدي فقال إن شئتما شهدت ولم أحكم ولا أشهد ونحن وإن قلنا خلاف المذاهب الأربعة في استناد القاضي لعلمه في أحكامه، فقد نقلنا عن ابن عابدين اتفاق الفقهاء على عدم جواز استناد القاضي لعلمه في أحكامه معللًا ذلك بتغير الزمان وفساد الأخلاق وغلبة أخذ الرشاوى والفساد في القضاة فيما بعد، ولهذا أجمع المتأخرون على عدم جواز استناده لعلمه، فإن أراد أن يشهد بما في علمه فعليه أن يتخلى عن القضاء في القضية التي يعلمها (٥) .
(١) المبسوط للسرخسي: ١٦ /٩٣؛ البدائع: ٧ /٧؛ مختصر الطحاوي: ص ٣٣٢ (٢) الدر المختار ورد المحتار: ٤ /٣٦٩ (٣) مغني المحتاج: ٤ / ٣٩٨ (٤) أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة. (٥) المغني، لابن قدامة: ٩ /١٨ و ١٩