للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن هذا القبيل أيضا ما قرره الفقهاء من عدم جواز استناد القاضي لعلمه في أحكامه بحيث يعتبر علمه بالقضية المتنازع فيها مستندًا لقضائه ويغني المدعي من إثبات البينة ويكون علمه مغنيًا عنها وكافيًا، وهذا التغير في الزمان وفساد الأخلاق وغلبة أخذ الرشاوى والفساد في القضاة فيما بعد، ولهذا أجمع المتأخرون بأنه لا يجوز له أن يستند إلى علمه في القضايا بل قضاؤه يجب أن يستند إلى وسائل الإثبات ولو كان مطلعًا على القضية عالمًا بجزئياتها، نعم للقاضي أن يستند إلى علمه من حيث عدالة الشهود وجرحهم فيحكم بشهادة من علم عدالته دون من يعلم جرحه وأما فيما عداه فقد شدد مالك استناده لعلمه وحكمه به ووجه استناده إلى علمه في العدل أو التجريح هو أنه لو لم يجز له ذلك إلا ببينة لاحتاج إلى تعديل البينة وتعديل معدلهم إلى ما لا نهاية له فاضطر إلى الحكم بعلمه في ذلك. قاله ابن يونس وحكاه عن ابن الماجشون، وقد وجهه بعضهم بشهرة حالة العدالة وحالة الجرح عند الناس فقل ما ينفرد القاضي بعلمهم ذلك دون غيره فترتفع المظنة عنه وتبعد التهمة عنه لاشتراك الناس معه في معرفة ما حكم به في حق المعدل أو المجرح من كلتا الحالتين، قاله الإمام المازري، وينبغي أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود ليحكم بشهادتهم لا بعمله ولا يجوز للقاضي أن يقضي بما علمه في مجلس القضاء بأن أقر بين يديه طائعا (١) .

ودليل المالكية على الجواز ما أخرجه الستة وأحمد عن أم سلمة من قوله صلى الله عليه وسلم ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخية شيئًا فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من النار)) فدل الحديث على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي: ((شاهداك أو يمينك ليس لك منه إلا ذلك)) ، رواه الشيخان وأحمد عن الأشعث بن قيس.

وقضت الحنفية في قضاء القاضي بعلم نفسه بالمعاينة أو بسماع الإقرار أو بشهادة الأحوال فإن قضي بعلم حدث له في زمن القضاء وفي مكانه بالحقوق المدنية كالإقرار بمال الرجل، أو بالحقوق الشخصية كطلاق رجل لامرأته أو في بعض الجرائم كقصف وقتل إنسان جاز قضاؤه ولا يجوز قضاؤه بعلم نفسه في الحدود الخالصة لوجه الله عز وجل وإلا أن في السرقة يقضي بالمال لا بالقطع لأنه يحتاط في الحدود مالا يحتاط في غيرها وليس من الاحتياط الاكتفاء بعلم نفسه.


(١) الاتفاق والإحكام في شرح تحفة الحكام لمحمد بن أحمد ميارة الفاسي: ١ /٢٩- ٣٠

<<  <  ج: ص:  >  >>