للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم بجواز أخذ الأجرة على القربات الدينية ضمانًا لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لأهل العلم من بيت المال كما أن الحنابلة قالوا: إن لم يوجد متطوع بالآذان والإقامة أعطى من يقوم بها من مال الفيء المعد للمصالح العامة وكذلك كرهوا أخذ أجرة على الغسل والتكفين والحمل والدفن وأجاز الحنفية أخذ الأجر على تلك الأمور، فالحمال والحفار كالعامل إن وجد غيره وإلا فإن لم يوجد غيره فلا يجوز أخذ الأجرة لتعينه عليه حيث صار واجبًا عينيًّا ولا يجوز أخذ الأجرة على الطاعة ولكن أجاز المتأخرون الأجرة على الطاعات للضرورة جاء في رسالة نشر العرف: اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح النص وهي الفصل الأولى وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثير منها ما يبينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه. بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولًا ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام ولذا ترى مشائخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذا من قواعد مذهبه فمن ذلك إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في الصدر الأول ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة وصناعة يلزم ضياع القرآن والدين فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم وكذا على الإمامة والأذان كذلك مع أن هذا مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك، ومن ذلك قول الإمامين بعد الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نص عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمانه من غلبة العدالة، لأنه كان في الزمن الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية وهما أدركا الزمن الذي فشى فيه الكذب وقد نص العلماء على أن هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان لا اختلاف حجة وبرهان. ومن ذلك تحقق الإكراه من غير سلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان في زمنه من أن غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثم كثر الفساد فصار يتحقق الإمام بناءً على ما كان في زمنه من أن غير السلطان لا يمكنه الإكراه، ثم كثر الفساد فصار يتحقق الإكراه من غيره فقال محمد رحمه الله باعتباره، وأفتى به المتأخرون لذلك، ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب من أن لا ضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن أفتوا بضمانه زجرًا بسبب كثرة السعاة المفسدين، ومنها تضمين الأجير المشترك وقولهم إن الوصي ليس له المضاربة بمال اليتيم في زماننا وإفتاؤهم بتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف وبعدم إجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة (١) .


(١) نشر العرف ببناء بعض الأحكام على العرف مجموعة رسائل ابن عابدين: ٢ /١٢٥- وما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>