للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عابدين والتحقيق أن المفتي في الوقائع لا بد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس وقد عرف أن الكفارة تفتقر إلى كمال جناية فينظر إلى صاحب الواقعة إن كان ممن يعاف طبعه ذلك أخذًا بقول أبي يوسف وإن كان ممن لا أثر لذلك عنده أخذ بقول زفر ويعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو الأرفق بالناس وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه ولا يخلو الوجود من تمييز هذا حقيقة لا ظنًّا بنفسه ويرجع من لم يميز إلى من يميز لبراءة ذمته، قال ابن عابدين: فهذا كله صريح فيما قلنا من العمل بالعرف ما لم يخالف الشريعة كالمكسب والربا ونحو ذلك فلا بد للمفتي وللقاضي بل وللمجتهد من معرفة أحوال الناس وقد قالوا: ومن جهل بأهل زمانه فهو جاهل وقد قالوا: يفتى بقول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء لكون جرّب الوقائع وعرف أحوال الناس وفي البحر كان محمد يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملاتهم وما يدبرونها فيما بينهم (١) .

ومما يوضح جليا اختلاف الحكم باختلاف الزمان لاختلاف الأحوال ما قرره الفقهاء الأوائل من عدم جواز أخذ الأجرة على الطاعات كقراءة القرآن والأذان والإمامة ونحوها من الطاعات فيؤذن الإنسان محتسبًا ولا يأخذ على الأذان والإقامة أجرًا باتفاق العلماء ولا يجوز أخذ الأجرة على ذلك عند الحنفية والحنابلة على ظاهر المذهب لأنه استئجار على الطاعة وقربة لفاعله والإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه فلا تجوز الإجارة عليه كالإمامة وغيرها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص ((واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على آذانه أجرًا)) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن وأجاز المالكية والشافعية في الأصح الاستئجار على الآذان لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجر عليه كسائر الأعمال.


(١) رسم المفتي لابن عابدين من مجموع رسائله، ١ /٤٥و ٤٦

<<  <  ج: ص:  >  >>