وخالف المقري في قواعده رأي الجمهور وقال بتقديم اللغة على العرف مدعيًا أن ذلك مشهور مذهب مالك حيث قال في القاعدة أربع وستين ومائة من قواعده إن العرف لا يقدم على اللغة على مشهور مذهب مالك (١) ، ولكن تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية هو مذهب الجمهور كما ذكرنا، وهو مذهب الحنفية والشافعية أيضا، ففي الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي أن الأيمان، مبنية على العرف لا على الحقائق اللغوية، قال صرح الزيلعي وغيره بذلك وعليها فروع: منها لو حلف لا يأكل الخبز حنث بما يعتاده أهل بلده ففي القاهرة لا يحنث بخبز البر وفي طبرستان ينصرف إلى خبز الأرز، وفي زبيد إلى خبز الذرة والدخن، ولو أكل الحالف خلاف ما عنده من الخبز لم يحنث، ولا يحنث بأكل القطائف إلا بالنية ومنها الشواء والطبيخ على اللحم، فلا يحنث بالباذنجان والجزر المشوي ولا يحنث بالمزورة في البطيخ ولا بالأرز المطبوخ بالسمن بخلاف المطبوخ بالدهن ولا بقليه يابسه ومنها الرأس ما يباع في مصر، فلا يحنث إلا برأس الغنم، ومنها حلف لا يدخل بيتًا فدخل بيعة، أو كنيسة، أو بيت نار، أو الكعبة، لم يحنث (٢) .
قال ابن عابدين: واعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا فقالوا في الأصول في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة هكذا ذكر فخر الإسلام في شرح الأشباه للبيري قال في المشرع: الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وفي المبسوط: الثابت بالعرف كالثابت بالنص ونقل عن القنية: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف (٣) هذا المذهب الحنفي، أما المذهب الشافعي فقد حكى الحافظ السيوطي اختلاف فقهاء الشافعية في نقل ترجيح القاضي الحسين الحقيقة العرفية، وخالفه أبو الحسن البغوي ومال إلى تقديم الدلالة العرفية على الحقيقة اللغوية، ثم نبه السيوطي إلى أن الخلاف في تقديم العرف أو اللغة إنما هو في العربي أما العجمي فيعتبر عرفه قطعًا إذ لا وضع يحمل عليه (٤) .
(١) قواعد المقري: ص ٦٣ (٢) الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ص ٨٧ – ٨٨ (٣) ابن عابدين رسالة نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف مجموعة الرسائل: ٢ /١١٥ (٤) الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص ٦٦.