للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا يستحق وارث أكثر من حقه)) ، ويرى جمهور من الصحابة والتابعين الرد على غير الزوجين وبه أخذ الحنفية والحنابلة، قال الغزالي والفتوى اليوم على الرد على غير الزوجين عند عدم المستحق لعدم بيت المال إذ الظلمة لا يصرفونه إلى مصرفه وهذا ما جعل ابن يونس يقول لو أدرك الإمام وأصحابه مثل زماننا هذا لجعلوا الميراث لذوي الأرحام إذا انفردوا ولقالوا بالرد على ذوي السهام (١)

لقد أجاد وأفاد ابن القيم الجوزية حين لاحظ أن تغير الفتوى واختلافها تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وذكر أن بسبب الجهل بهذه الحقيقة وقع غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يتنافى مع الشريعة التي هي في أعلى رتب المصالح موضحًا لذلك بتنزيل الشرط العرفي منزلة الشرط اللفظي كوجوب نقد البلد عند الإطلاق وكالسلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلا لا شتراط السلامة من العيوب عرفا منزلة اشتراطها لفظًا وكوجوب الوفاء للمسلم فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظًا بناء على الشرط العرفي وكدفع الثوب لمن يغسله أو يخيطه أو العجين لمن يخبزه أو اللحم لمن يطبخه أو الحب لمن يطحنه أو مشاعًا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك فإنه يجب له أجرة المثل وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند جمهور العلماء، بل حتى عند المنكرين لتنزيل الشرط العرفي منزلة الشرط اللفظي وكل هذا لأن المؤمنين والمؤمنات وبعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا جاز لأحدهم ضم اللفظة ورد الآبق وحفظ الضالة وله أن يحسب ما أنفقه عليها وينزل إنفاقه منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه ولو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلًا في حكم الشرع لما أقدم على ذلك ولضاعت مصالح الناس ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضًا وتعطلت حقوق كثيرة وفسدت أموال عظيمة، ومعلوم أن شريعة من بهرت شريعته العقول وفاقت كل شريعة واشتملت على مصلحة وعطلت كل مفسدة تأبى ذلك كل الإباء (٢) وهذا الذي لاحظه ابن القيم، قد أدركه كثير من الأئمة قبله فهذا مالك بن أنس يقول تحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا وكلمة عمر بن عبد العزيز في ذلك مشهورة تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ولما كانت الأحكام بالنسبة للمصالح كتعلق المسببات بأسبابها والمعلولات بعلاتها تعين أن تتغير الأحكام عند تغيراتها ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فبوجودها يوجد وبانعدامها ينتهي، قال ابن عابدين: إن كثيرًا من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيرت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة من إفتاء المتأخرين بجواز الاستئجار على تعليم القرآن وعدم الاكتفاء بظاهر العدالة. إن ذلك مخالف لما نص عليه أبو حنيفة ومن ذلك تحقق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان في عصره أن غير السلطان لا يمكنه الإكراه، ثم كسر الفساد فصار يتحقق الإكراه من غيره، فقال محمد باعتباره وأفتى به المتأخرون ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب من أن الضمان على المباشر دون المتسبب ولكن أفتوا بضمانه زجرًا لفساد الزمان ومنه تضمين الأجير المشترك وقولهم إن الوصي ليس له المضاربة بمال اليتيم في زماننا وإفتاؤهم بتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف وعدم إجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة ومنعهم القاضي أن يقضي بعلمه وإفتاؤهم بمنع الزوج من السفر بزوجته وإن وافاها المعجل لفساد الزمان وعدم سماع قوله أنه استثنى بعد الحلف بطلاقها إلا ببينة مع أنه خلاف ظاهر الرواية وعللوه بفساد الزمن وعدم تصديقها بعد الدخول مما بانها لم تقبض ما اشترط لها تعجيله من المهر مع أنها منكرة للقبض وقاعدة المذهب أن القول للمنكر لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه وكذا قالوا في قوله كل حل علي حرام يقع به الطلاق للعرف عند مشائخ بلخ ولا يقع إلا بالبينة عند محمد وقال: أما عرف بلادنا يريدون به تحريم المرأة فيحمل عليه.


(١) حاشية ابن الخياط على شرح الخرشي لفرئض خليل، ط عاطف بمصر ص ٥١
(٢) إعلان الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم الجوزية: ٣/ ١

<<  <  ج: ص:  >  >>