والمروي عن مالك رضي الله عنه أنه لا يرى اتخاذ الكلب لحراسة الدور ولما سئل مالك الصغير أعني عبد الله بن أبي زيد القيرواني عن شأن كلاب الحراسة أجاب بقوله لو أدرك مالك هذا الزمان لاتخذ أسدًا ضاريًا (١) ويؤخذ من ذلك تغير الأحكام التي لا نص فيها بتغير الأحوال والأزمان والناس فتدور الأحكام معها دورانها مع العلة وجودًا وعدمًا ولقد قال الإمام الحافظ ابن يوسف التميمي الصقلي لو أدرك الإمام وأصحابه مثل زماننا (وهو من أبناء القرن الخامس إذ توفي سنة ٤٥١هـ) هذا جعلوا الميراث لذوي الأرحام إذا انفردوا ولقالوا بالرد على ذوي السهام، وذوو الأرحام في اصطلاح الفرضيين هو كل قريب ليس صاحب فرض ولا عصبة كأولاد البنات وأولاد الأخوات وبنات الإخوة، والجد الرحمي وهو من يتصل إلى الميت بأم الجدة الرحمية، والخال والخالة ونحوهم من كل قريب ليس عصبة ولا صاحب فرض، واختلف الفقهاء في توريثهم على رأيين فأبو حنيفة وأحمد قالا بتوريثهم، وهو رأي عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم مستدلين بقوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}[سورة الأنفال: الآية ٧٥] ، فيشمل كل الأقرباء أكانوا ذوي فروض أم عصبات أم لا ولحديث البخاري ومسلم ((ابن أخت القوم منهم)) ولقوله ((من ترك مالا فلورثته وأنا وارثه أعقل منه (أي أدفع عنه الدية) وأرثه والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه)) ، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وأعله البيهقي بالاضطراب (٢) .
وذهب مالك والشافعي إلى عدم توريث ذوي الأرحام فإذا هلك هالك عن غير فرض ولا عصبة وله ذو رحم ردت التركة إلى بيت المال وهو رأي زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأخذ به الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن جرير الطبري واستدلوا بأن الله تعالى ذكر في آيات المواريث نصيب أصحاب الفروض والعصبات ولم يذكر لذوي الأرحام شيئًا ولو كان لهم حق لبينه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} . [سورة مريم: الآية ٦٤] .
وقد قال صلى الله عليه وسلم:((إن الله أعطى لكل ذي حق حقه)) [رواه الترمذي وغيره] . وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال:((أخبرني جبريل أن لا شيء لهما)) رواه أبو داود في المراسيل وقيل في التوفيق بين هذا الحديث وما رواه المثبتون لذوي الرحم في الميراث أن نفي الميراث عن العمة والخالة كان قبل نزول آية الأنفال من قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}[سورة الأنفال: الآية ٧٥] أو أن العمة والخالة ليس لهما فرض مقدر وأنهم لا يرثون مع العصبة ولا مع ذي فرض يرد عليه، فإن الرد على ذوي الفروض مقدم على توريث ذوي الأرحام ولكنهم يرثون مع من لا يرد عليه وهما الزوجان والرد هو دفع ما فضل لأنه زيادة في الأنصبة ونقص في السهام فيرد ما فضل عن فرض ذوي الفروض النسبية عليهم بقدر سهامهم ولا يرد على الزوجين وارد عند الفرضيين هو دفع ما فضل من أصحاب الفروض النسبية إليهم بقدر حقوقهم عند عدم العصبة وللعلماء في الرد رأيان فريق يرى عدم الرد وإنما يكون الباقي من التركة بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم ولا عاصب للهالك يكون الباقي لبيت المال وهو مذهب زيد بن ثابت وبه أخذ مالك والشافعي ودليلهم أن الله قد بين نصيب كل وارث بالنص فلا يجوز الزيادة عليه بغير دليل.