وقد أبطل الإسلام حصره في الأغنياء يتداولونه بينهم ولا ينال أهل الحاجة نصيبًا منه إذ من مقاصد شريعتنا الغراء أن يكون المال دولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل الموات والفيء واللقطات والركاز أو كان جزءًا معينًا مثل الزكاة والكفارات وتخميس المغانم والخراج والمواريث وعقود المعاملات التي بين جانبي مال وعمل، مثل القراض والمغارسة والمساقاة وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل الفيء والركاز وما ألقاه البحر (١) .
كان عمر يجمع أهل المدينة ويستشيرهم في الأمور، وكان سكان المدينة في هذا يشبهون سكان أثينا في عهد بركليس إذ كان كل شخص من أهل هذه المدينة له رأي في شؤون الدولة وإن الرأي الذي يكون في اجتماع ويوافق عليه المجتمعون يكون أقوى من الرأي الذي يكون نتيجة دراسة للموضوع من كل نواحيه وجوانبه مع تبادل أوجه النظر المختلفة، ولهذا كان الرأي الجماعي وهو الذي تسير عليه مقتضيات شؤون الدولة وجاء من بعد الصحابة والتابعين من اعتبر الرأي الجماعي إجماعًا وعده مصدرًا رابعًا حتى صارت المصادر عنده الكتاب والسنة والإجماع والرأي، ومما لا شك أن القصد من الأحكام إقامة العدل ودرء المفسدة وجلب المصلحة فيصدر الحكم على وفق ما يحقق تلك المصلحة أو يدرأ تلك المفسدة ويكون علاجًا ناجعًا وتدبيرًا حكيمًا لبيئة معينة في زمن معين، ثم بعد جيل، أو أجيال، وتغير الأحوال لا يبقى صالحًا، ولا محققا للغرض المنشود بل ربما يفضي إلى عكس المطلوب لتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق، ولقد انتبه المتأخرون إلى هذه الحقيقة، ولاحظوها في كثير من المسائل وأفتوا في كثير منها بعكس ما أفتى به الأوائل معللين مخالفتهم لأئمتهم والسابقين من فقهاء مذهبهم باختلاف الزمان وفساد الأخلاق، وهم في الواقع غير مخالفين لهم، موضحين بأنه لو استمر بهم الحال ورأوا ما رأى المتأخرون لقالوا بمثل ما قالوا ولعدلوا عن كثير من الأقوال التي كانوا قد أفتوا بها في قديم الزمان (٢) ويعبرون عن مخالفتهم لمن قبلهم بأنه اختلاف في حال وهؤلاء مجتهدو التخريج المنتسبون وهم الذين اختاروا ما قرره أئمتهم بالنسبة لأصول الاستنباط وخالفوهم في الفروع وإن انتهوا إلى نتائج مشابهة في الجملة إلى ما وصل إليه أئمتهم وهم في الغالب ممن يكون لهم صحبة ملازمة ومن هؤلاء في المذهب الحنفي خالد بن يوسف السمتي وهلال والحسن بن زياد اللؤلؤي، وفي المذهب الشافعي المزني، وفي المذهب المالكي عبد الرحمن بن القاسم وابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب وغيرهم، ولم يخل عصر في القرون الأولى التي تلت عصر الأئمة من هذا الصنف الذي يتقيد بالمنهاج ولا يتقيد بالفروع كالطحاوي والكرخي وأبي بكر الأصم، فالكرخي مثلًا خالف أبا حنيفة في الأخذ بالكفاءة في الزواج على الصغار والطحاوي كان يتبع المنهج الحنفي وأحيانًا يختار من المذهب الشافعي (٣) .
(١) مقاصد الشريعة الإسلامية، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور: ص ١٧٠ (٢) المدخل الفقهي العام: ٢ / ٩٢٤ (٣) كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ط. دمشق ص ١٣٨٠.