للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إننا ندرك مما نقلنا أن مصالح الناس تتغير وتتبدل حسب تبدل مظاهر المجتمع وتغيره كما أن أحكامها ومعاملاتها تابعة في تشريعها لمصالحها، فكان منطقيًّا أن تتبدل هذه الأحكام وفق هذه الأحكام وفق تبدل الزمان وتغير الأحوال، وهذه تتأثر بمظاهر المحيط والبيئة الاجتماعية. وأن كثيرًا من الفروع الفقهية ليختلف الحكم فيها باختلاف جلب المصلحة ودرء المفسدة وما يكون مصلحة في زمان قد يكون مفسدة في زمن آخر، وأن من الفقهاء من لم يقتصر في ترتيب الأحكام على خصوص المنصوص فإن لم يجد اجتهد وتأمل وفكر فيما هو أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء أكان يتعرف ذلك أقرب من نص معين وهو المسمى بالقياس أم الأقرب للمقاصد العامة للشريعة وذلك هو المصلحة وعلى رأس من أخذ بالمصلحة عمر بن الخطاب، فأفتى وأفتى معه كثير من الصحابة بالمصلحة في ذاتها كحكيم بقتل الجماعة بالواحد وكتضمين الصناع، فقد قال علي كرم الله وجهه: لا يصلح الناس إلا ذاك.

وكان عمر رضي الله عنه في إدارة شؤون الدولة يجتهد عن طريق المصلحة فيما لا نص فيه، وقد جاء كتابه إلى أبي موسى الأشعري (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة اعرف الأشياء والأمثال وقس الأمور عند ذلك) ، وكان له نوعان من الشورى: الشورى الخاصة والشورى العامة وشوراه الخاصة تكون لذوي الرأي من علية الصحابة من المهاجرين والأنصار السابقين وهؤلاء يستشيرهم في أمور الدولة التي يحتاج إلى أوجه النظر المختلفة، سواء أكانت من صغرى أمور الدولة أم كانت من كبراها. وأما الشورى العامة فإنها تكون لأهل المدينة أجمعين وفي الأمور الخطيرة من أمور الدولة أو التي تقرر قاعدة عامة تسير في مستقبل الأمة على أنها من القرارات الثابتة فإذا جد أمر من هذا النوع يجمع أهل المدينة في المسجد الجامع وإذا ضاق بهم جمعهم خارج المدينة وعرض عليهم الأمر الخطير ويتناقشوا فيه، ومن ذلك استشارتهم في أرض سواد العراق فقد كان من رأي الغزاة قسمتها بينهم، وكان من رأي عمر عدم قسمتها وأن تترك في أيدي أهلها الذين كانت أيديهم عليها، وقد تناقشوا فيها يومين أو ثلاثة وانتهى الأمر إلى موافقة عمر عندما ساق لهم قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [سورة الحشر: الآية ٧] .

<<  <  ج: ص:  >  >>