والقياس والمحاكمة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضين، ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الفرق بينها كثيرًا فيقع في مهواة من الغلط، فمن هذا الباب ما نقله المؤرخون من أن التعليم في صدر الإسلام والدولتين لم يكن العلم صناعة إنما كان نقلًا لما سمع من الشارع وتعليمًا لما جهل من الدين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب والعصبية الذين قاموا بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي إذ هو كتابهم المنزل على الرسول منهم وبه هدايتهم والإسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصوا به من بين الأمم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمة لا تصدهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عامل الأنفة ويشهد لذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم كبار أصحابه مع وجود العرب يعلمونهم حدود الإسلام، وما جاء به من شرائع الدين بعث في ذلك أصحابه العشرة فمن بعدهم، فلما استقر الإسلام ووشجت عروق الملة حتى تناولتها الأمم البعيدة من أيدي أهلها، واستحالت بمرور الأيام أحوالها وكثر استنباط الأحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع وتلاحقها، فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطأ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة الصنائع والحرف وانقلب حرفة للمعاش.
وقد بين الدكتور صبحي محمصاني قاعدة تغيير الأحكام بتغير العادات، أن هذه الحقيقة التي أدركها علماء الاجتماع والقانون كالعلامة منتسكنو وغيره، قد أدركها علماء الإسلام في القرن السابع الهجري الثالث عشر ميلادي، فلاحظها شهاب الدين القرافي وابن القيم الجوزية وأبو إسحاق الشاطبي، وقد قدمنا كلام ابن خلدون في ذلك، بل هي عند فقهاء المسلمين من البديهية التي لا جدال فيها ونوه بها في أواخر القرن التاسع عشر مفتي الديار المصرية الإمام عبده في مقاله اختلاف القوانين باختلاف الأمم (١) .