يقول العلامة ابن خلدون في مقدمة كتاب العبر: يحتاج صاحب هذا الفن (أي التاريخ) إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتى يكون مستوعبًا لأسباب كل حادث واقفا على أصول كل خبر وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحًا وإلا زيفة واستغنى عنه وما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك حتى انتحله الطبري والبخاري وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الأمة، وقد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة واستخف العوام ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله الخوض فيه والتطفل عليه فاختلط المرعي بالمهمل واللباب بالقشر والصادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الأمور، ومن الخلط الخفي في التاريخ الذهول من تبدل الأحوال في الأمم والأجيال تبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وفوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص، والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عبادة وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابها وإلى ما يباينها أو يباعدها، ثم جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى، وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف، ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الأسلاف الذين تقيدوا عزهم ومهدوا ملكهم، وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب، والفرنجة بالشمال، فذهبت بذهابهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق، والبربر بالمغرب، والفرنجة بالشمال، فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد أن عوائد كل تابعة لعوائد سلطانه إذا استولوا على الدولة والأمر فلا بد وأن يفرعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذوا الكثير منها، ولا يغفلوا عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بغض المخالفة لعوائد الجيل الأول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم وخرجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضًا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة، ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهى إلى المباينة بالجملة، فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة.