كذلك اختلف الفقهاء في الترشيد والتسفيه فالذي جرى به العمل عند الموثقين من أهل فاس أنه لا يكفي فيه عدلان اثنان، وعليه درج ابن عاصم وتحفته ونقل عن أصبغ الاجتزاء برجلين مع الفشو وهو ما عليه العمل بتونس من قبول عدلين في التسفيه والترشيد والزيادة أفضل من هذا القبيل ما اختلف فيه الفقهاء من الشفعة فيما لا ينقسم كالحمام، ففي التوضيح عند قول أبي الحاجب، وفي غير المنقسم كالحمام ونحوه قولان قال ما نصه: يعني وفي الشفعة فيما لا يقبل القسم إلا بضرر قولان وهما لمالك وابن عبد السلام وفي المدونة ما يدل على كل واحد منهما وبعدم الشفعة قال ابن القاسم ومطرف وبالشفعة قال أشهب وابن الماجشون وأصبغ، قال صاحب الذخيرة: وعدم الشفعة هو المشهور قال صاحب المعين وبه القضاء وقد جرى عمل قرطبة بثبوت الشفعة وأفتوا به لما جمعهم القاضي المنذر بن سعيد، حيث جاءه خط أمير المؤمنين عبد الرحمن أن يحمله على قول مالك ويقضي له به فجمع القاضي منذر بن سعيد الفقهاء وشاورهم فقالوا: مالك يرى في الحمام الشفعة فقضى منذر بذلك وحكم له بها، قال ابن حارث: وأخبرني من أثق به أنه جرى العمل عند الشيوخ بإيجاب الشفعة في نحو الحمام ومن الأبرحة والآبار والعيون والشجرة الواحدة وشبه ذلك وقد جرى العمل بتونس بعدم الشفعة فيما لم ينقسم. ومثل هذا الخلاف الخلاف في كراء الدار بين رجلين كرى أحدهما نصيبه منها، فهل لشريكه أن يشفع ذلك من يد المكتري لأن الكراء بيع منفعة أو ليس له ذلك فيه قولان جرى القضاء بكل منهما، قال القلشاني في شرح الرسالة: اختلف في الشفعة في كراء الربع فقال ابن القاسم والمغيرة وعبد الملك بسقوط الشفعة وبه الحكم الآن بإفريقية على ما سمعت، وقال أشهب ومطرف وأصبع: فيه الشفعة، وروي عن ابن القاسم أيضا، والقولان لمالك وبالثاني الحكم بالمغرب والأندلس فيما سمعته وفي نوازل ابن هلال ما نصه مسألة جرى العرف بالشفعة في الكراء وبه أفتى ابن علال والتازغدري رحمهما الله تعالى، وجعلا المكتري كالشريك في الأصل وخالفهما القاضي عبد الرحيم اليزنانسني واقتصر في التحفة على أن الحكم فيه ينفي الشفعة فقال: والخلف في أكرية الرباح والدور، والحكم بالامتناع وعندنا في تونس لا شفعة في الكراء مطلقًا.
ومما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء دعاء الأئمة عقب الصلوات المكتوبة، قال ابن ناجي في آخر كتاب الصلاة نص مالك على كراهة الدعاء لأئمة المساجد والجماعة عقب الصلوات المكتوبات جهرًا للحاضرين خوفًا من الرياء، والعمل عندنا بأفريقية على جواز ذلك لأنها بدعة مستحسنة لورود الدعاء من حيث الجملة ومع جري العادة ينتفى الرياء، وفي المعيار في فصل المستحسن من البدع وغيرها ما نصه قال ابن عرفة: عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بأثر الذكر الوارد أثر تمام الفريضة وما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به وفي نوازل الصلاة منه من الأمور التي هي كالمعلوم بالضرورة استمرار عمل الأئمة في جميع الأقطار على الدعاء إدبار الصلوات في مساجد الجماعات واستصحاب الحال حجة واجتماع الناس عليه في المشارق والمغارب منذ الأزمنة المتقادمة من غير نكير إلى هذه المدة من الأدلة على جوازه واستحسان أخذ به وتأكده عند علماء الملة. اهـ. باختصار