ومن باع سلعة وادعى بعد طول أنه لم يقبض ثمنها وأنكر ذلك المبتاع، فالقول قوله بيمينه، وقد اختلف في حد الطول، قال الإمام المازري: الطول غير محدد ولا مقدر إلا بحسب ما تجري به العوائد في سائر الجهات.
ومن هذا أيضا اختلاف الكاري والمكتري في دفع الكراء، فالقول للمكتري: إذا أطال الأمد بعد انقضاء أمد الكراء حتى جاوز الحد الذي جرى العرف بتأخير الكراء إليه.
ومنه أيضا دعوى الزوج دفع الصداق إلى الزوجة فقد قال مالك وابن القاسم أن الزوج يصدق في دفع الصداق إذا اختلفا في ذلك بعد البناء ويحلف وبه الحكم. قال ابن الماجشون: إن كان قريبا وجاءت بلطخ حلف فإن طال فلا يمين عليه، وقال ابن وهب: عند قول ابن المواز إن قامت بحدثان الدخول فالقول قولها وإن طال الأمر فقوله وما ذكر من كون القول قول الزوج بعد البناء مقيد بقيود: منها أن يدعي الدفع قبل البناء وأن لا يقيد في رسم الصداق ما ينفي قبول قوله إلا ببينة، قال في المختصر: إن ادعى الدفع بعد البناء حلفت الزوجة أو من يلي أمرها وغرمه الزوج، قلت لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقال أيضًا: إن عقد في الصداق بعد ذكر النقد أنه لا يبريه منه البناء بها ولا طول المقام معها فإنه حينئذ لا يقبل قوله في الدفع كسائر الديون (١) ويعطف عليه ما قالوه من أن رب الدين إذا حضر قسمة التركة ولم يطالب بدينه وسكت من غير عذر فلا شيء له، والأصل في كل ما نقلنا وشبهه شهادة العرف والعادة، ونلاحظ من ذلك ما للعرف من قوة واعتبار في إنشاء الأحكام وابتنائها عليه وبوساطة العرف ندرك ما أولاه الفقهاء من عناية واعتبار للعرف حتى ألفوا كتبًا ورسائل فيما جرى به العرف والعمل حسب الأقطار المختلفة فمثلًا اختلف الفقهاء هل يجوز للقاضي الإفتاء في الخصومة فقيل بالجواز وهو قول ابن عبد الحكم وقيل بالمنع، وقد جرى العمل بفاس بجواز الإفتاء للحكام وجرى العمل بعدم جواز الإفتاء للحكام بتونس عملًا بقول التحفة، ومنع الإفتاء للحكام، قال صاحب العمليات إن العمل على قول ابن الحكم في إفتاء القضاة شائع أي في فاس إلا أنهم ربما تجنبوا ما كان يرجع إليهم التحكيم فيه ملاحظة للقول الآخر (٢) .
(١) فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد، لعبد الجليل السجلسماسي: ص ٦٠ (٢) فتح الجليل: ص ٤٠٤