ومما انبنى على العرف وجرى به العمل وجوزه الفقهاء لذلك خلو الحوانيت وأجرة الدلال والحمال ونحوهما من غير تسمية الأجرة بناء على أن الأجير يستحق من الأجرة ما جرت به العادة ومثلها أيضا تقسيم الأشياء ومعرفة المكيلات والموزونات والمزروعات، فهي تتوقف على العرف والعادة وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فإذا بيعت سلعة على أساس وزنها بالأرطال انصرف ذلك الرطل إلى المتعارف في محل التعاقد أو التسليم وفاقًا لنية المتعاقدين، وقد يختلف الرطل من مكان إلى مكان.
ومن مثل ما اتضح فيه العرف ما في المدونة أن ما يباع في الأسواق كاللحم والفواكه والخضر أو على النقد كالصرف، وقد انقلب به المبتاع فادعى البائع عدم دفع الثمن فالقول قول المشتري أنه قد دفعه مع يمينه لشهادة العادة له بصدقة، ومن شهد له أصل أو عرف، فهو مدعى عليه. قال الإمام المازري: وهذا لم يختلف فيه لاتضاح العادة الدالة عليه وذكر ابن رشد أنه لاختلاف وأن القول هنا قول المبتاع (١) قال أبو إسحاق التونسي: ما كان من الأشياء عادتها أن تقبض قبل دفع السلعة أو معها معًا، فإذا قبض المشتري السلعة كان القول قوله مع يمينه أنه دفع الثمن لدعواه العادة، وقال ابن محرز: إن لم ينقلب به وكان قائما مع بائعه، فقد اختلف في ذلك، فروى أشهب عن مالك إن القول قول رب الطعام مع يمينه، وقال ابن القاسم: القول قول المبتاع، قال ابن القاسم: وذلك إذا كانت عادة الناس في ذلك الشيء أخذ ثمنه قبل قبضه أو معه قال ابن محرز فقد نبه ابن القاسم على المعنى الذي ينبغي أن يعتمد عليه في هذا الأصل وهو العادة، فمن ادعى المعتاد كان القول قوله مع يمينه في جميع الأشياء المشتراة على اختلافها من دور وبناء وطعام وغير ذلك (٢) .
وفي العمليات العامة: وفي اختلاف بائع ومشتر في الدفع، فالثانى بتعجيل جرى.
قال ابن عبد السلام: يؤخذ أخذا ظاهرًا يقرب من النص أن المشتري هو المبتدئ بدفع الثمن من قول المدونة في كتاب العيوب من اشترى عبدا فللبائع منعه من قبضه حتى يدفع إليه الثمن وعلى القول المعمول به جرى صاحب المختصر، بل نقل الأجهوري عن ابن رشد أن هذا الحكم متفق عليه في المذهب ولفظه قال ابن رشد: من حق البائع أن لا يدفع ما باع حتى يقبض ثمنه لأن ذلك في يده كالرهن بالثمن، فمن حقه أن لا يدفع إليه ما باع منه ولا يزنه له، ولا يكيله له إن كان مكيلا أو موزونًا حتى يقبض ثمنه، وهذا أمر متفق عليه في المذهب مختلف فيه في غيره (٣) .
(١) انظر تاريخ قضاة الأندلس للنبهاني: ص ١٥٠ (٢) انظر تاريخ قضاة الأندلس للنبهاني: ص ١٥٠. (٣) فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد، لعبد الجليل السجلسماسي: ص ١٥٣