للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: حمل غير ذلك الجنس، فما الزيادة فيه من جنسه ففي المدونة فيمن اكترى بعيرًا ليحمل عليه عشرة أقفزة، فحمل عليه أحد عشر قفيزًا فلا ضمان عليه في عطب البعير إذا كان الفقير يسيرا لا تعطب منه الدابة، فإن كانت الزيادة يعطب من مثلها فلصاحب الدابة الكراء وكراء الزيادة أو قيمة الدابة يوم التعدي دون الكراء فهو مخير في ذلك وإن كان لا يعطب من مثله تلك الزيادة فليس له إلا الكراء الأول وكراء ما تعدى فيه، وقال سحنون: إن زاد في الحل ولو رطلًا واحدًا ضمن. قال عبد الملك: والفرق بين هذا وبين الزيادة في المسافة أن مجاوزة المسافة تعد كله فلذلك ضمنها في قليله وكثيرة وزيادة الحمل إذا اجتمع فيه تعد وإذن، فإن كانت الزيادة يعطب من مثلها ضمن وإلا لم يضمن وأما إن حمل غير الجنس الذي اتفق معه فلا يخلو أن تكون مضرته كمضرة ما تكارى عليه أو أشد، فإن كانت مثل مضرته فلا ضمان عليه وأصل ذلك أن الحمل لا يتعين عند مالك إلا بجنس المضرة ولو اكترى رجل من حمال على حمل بعينه كان له أن يبدله بمثله مما مضرته مثل مضرته وليس له بدله بما هو أعظم مضرة منه، فالمراعى في ذلك ما يضغط بثقله جانبي الدابة ويضر بها، فإذا حمل ما هو أضر بها فعطبت الدابة فهو ضامن، وهذا في الأحمال، أما الراكب فقد يختلف حاله باختلاف أخلاق الناس مع تساوي أجسادهم فمنهم من فيه رفق وفيهم من فيه عنف، وقد قال مالك: لا يعجبني أن يكري الرجل دابة فيحمل عليها غيره، قال ابن القاسم: فإن حمل عليها من هو مثله في الثقل والحال والركوب لم يضمن وإن حمل عليها من هو أثقل منه أو غير مأمون فهو ضامن، قال ابن حبيب: ومعنى ذلك في الدابة معها صاحبها يتولى سوقها والحمل عليها والحط عنها فأما أن يسلمها إلى المكتري فله منعه من الكراء من غيره لاختلاف سوق الناس ورفقهم وحياطتهم وتضييعهم لها (١) .

ونستخلص من هذه الفروع الفقهية أنه ليس لحد الحق في أن يتجاوز حد المنفعة المتفق عليها الذي إن تجاوز اعتبر صرفا مضرا بغيره، ولذا إذا حصل منه ذلك كان عليه الضمان والمدارك في كل هذا مرجعه العرف والعادة وبما ذكرنا ندرك مدى تأثير العرف في الأمور العادية من أكل وشرب ولباس وركوب وانتفاع. وكيف أن العرف هو الذي يقيدها ويحدد التزاماتها وتخضع للعادة والعرف تصرفاتها وتجري الأحكام عند التنازع على وفق ما يقتضيه عرف كل بلد وعاداته.


(١) المنتقى، لأبي الوليد الباجي: ٥ /٢٦٤ – ٢٦٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>