للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما عرف الناس في معاملاتهم المدنية، فلقد جاء في صحيح البخاري باب من إجراء الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة، قال العيني: فيعتبر في عادة أهل كل بلد على ما بينهم من العرف، فإنه في البلاد المصرية الأرز يكال وفي البلاد الشامية يوزن لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية قال: وقوله: وسننهم عطف على ما يتعارفون بينهم أي على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة، قال: وحاصل كلام البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة، قال البخاري وقال شريح يعنى أبن الحارث الكندي القاضي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب للغزالين سنتكم بينكم ربحًا يعني عاداتكم وطريقتكم بينكم معتبرة (١) .

وقد حمل الإمام السهيلي شرب النبي صلى الله عليه وسلم من إناء قوم دون استئذان في حديث الإسراء على العرف والعادة (٢) ، حيث أن العرب في الجاهلية كان من عاداتهم والمعروف عندهم المطرد بينهم إباحة الرسل (اللبن) لابن السبيل فضلا عن شرب الماء حتى لو كسر أحد الزبناء إناء الشراب وأتلفه فلا يلزمه ضمان ما أتلف اعتمادا على العرف الجاري بين الناس حيث لم يتعمد تكسيره مع أن القاعدة من أتلف شيئًا ضمنه، ولقد جوز جماعة من الفقهاء أن يأكل الإنسان من ثمر البساتين المتروكة تحت الشجر بلا إذن صاحبها إذا كانت الثمرة مما يسرع إليها الفساد بناء على أن العرف قد جرى بذلك، ولقد قال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع فيها يسرع إليه الفساد إذ بلغ الحد الذي يقطع في مثله كالتين والسفرجل والرطب ونحوها من الأطعمة الرطبة، وقالا: سواء أخذت من حرم أم لا لعدم قابلية الادخار لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا قطع في ثمر ولا كثر)) ، أخرجه مالك في الموطأ، قال الباجي: ولا قطع في الثمر المعلق، رواه القاضي أبو محمد وروى ابن المواز ذلك ما كان في الحوائط والبساتين فأما من سرق من ثمرة نخلة في دار رجل ومنزله فهذا يقطع إاذا بلغت قيمتها على الرجاء والخوف ربع دينار، فجعل للدار تأثيرًا في حرز مثل هذا ويكون صاحب الدار ساكنًا معها (٣)


(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١٨ /١٦ ط المنيرية.
(٢) الروض الأنف، لأبي القاسم عبد الرحمن الخثعمي السهيلي ط الجمالية بمصر: ١ /٢٤٦.
(٣) المنتقى لأبي الوليد الباجي: ٧ / ١٨٢

<<  <  ج: ص:  >  >>